الأربعاء، 12 فبراير 2014

(الشيخ) في جريدة الأخبار اللبنانية

علي منصور

أنهاج السياق الشعري عند علي منصور

علي منصور ، شعرية الخفة التي تحتمل .

حوار للشاعر مع جريدة القدس العربي

حوار للشاعر مع جريدة الثورة اليمنية



قال إن الزمن استبدل "الشاعر المهم بـالظاهرة الشعرية:
الشاعر المصري /علي منصور: أزمة المشهد العربي سببها التخلف وغياب الحرية وسطوة النقد المنافق
إن الذين لا يكفون عن (الغناء) للحرية في قصائدهم العمودية والتفعيلية هم الذين يتربصون لقصيدة النثر!
"الخميس, 29-ديسمبر-2005" - القاهرة/ سمير درويش
علي منصور واحد من أهم شعراء "قصيدة النثر" في مصر.. إذا أزحنا الإرهاصات البدائية في السبعينيات وقصائد جماعة شعر التي تنتمي إلى قصيدة التفعيلة وإن تخلت عن الوزن الخليلي، ليس ـ فقط ـ لأنه من أوائل الذين اتجهوا إليها مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، ولا للاحتفاء النقدي الذي يقابل كل مجموعة شعرية جديدة يصدرها، ولا لأنه الأغزر إنتاجاً بين أقرانه.. ولكن ـ بالإضافة إلى كل ذلك ـ لأنه يمتلك صوتاً خاصاً، رائقاً، يحمله معه عبر دواوينه المتعاقبة، ويمتلك ـ كذلك ـ تجربة فريدة مكنته من التقاط الشعري من ما يبدو غير شعري، فأصبحت قصائده، أو بعضها على أقل تقدير، ممثلة لتجربة النثر ولجمالياتها العصية ـ حتى الآن ـ على التنميط.
ولد في نهاية عام 1956 بإحدى محافظات الدلتا شمال القاهرة، وتخرج من كلية الصيدلة، جامعة القاهرة، وحصل على درجة الماجستير في العلوم الصيدلية. صدر له ثمان مجموعات شعرية هي: "الفقراء ينهزمون في تجربة العشق" 1990، "وردة الكيمياء الجميلة" 1993، "على بعد خطوة" 1992، "ثمة موسيقى تنزل السلالم" 1995، "عصافير خضراء قرب بحيرة صافية" 1998، "عشر نجمات لمساء وحيد" 2002، "خيال مراهق، وقصائد أخرى " 2003، و"الشيخ" 2005م.
التقيته وكان هذا الحوار:
> بالرغم من بداياتك التفعيلية، فإنك اتجهت إلى قصيدة النثر، ما الذي دفعك إلى هذا الاختيار، وهل تعتقد أنها وريث الشعر العربي أم أنها مجرد صورة من صوره؟
- نعم، لقد كتبت ثلاث مجموعات تنتمي كلها إلى ما يسمى بقصيدة التفعيلة ، وذلك قبل أن أتحول إلى كتابة قصيدة النثر عبر مجموعتي الشعرية "على بعد خطوة" ولم يحدث هذا التحول عن عمد أو تخطيط مسبق، حتى إنك لتجد القصيدتين الأوليين، أو ربما الثلاث قصائد الأولى في هذه المجموعة، تجدها قصائد تفعيلة بينما باقي القصائد نثرية، وهذه المجموعة تحديدا "على بعد خطوة" تكشف وتعري حالتي النفسية والفكرية حال تحولي نحو قصيدة النثر. كنت في حالة من الإعياء النفسي والشعور بالصدمة جراء الصحو على حقيقة مرة تماماً كحال المثقف حين صحا على خبر هزيمة يونيو 67 ولم يكن السبب في ذلك هو الغزو العراقي للكويت فقط، وقد عايشت ذلك الفعل ـ الذي لم يستسغه عقل ولا منطق ـ عن قرب، وإنما، أيضا، ما تلى ذلك من انقسام عربي وصل حد الفتنة التي أودت بكل مقدرات الأمة العربية وأوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن.
أن يحدث ذلك بعد آلاف القصائد التي كانت تهدر كل عام في المربد، ببلاغتها ورصانتها ودويها، عن الأمة العربية الواحدة، والمصير العربي الواحد، وأن يحدث ذلك بين أشقاء الوطن والدين واللغة وأيضا العدو!! فأي خيانة، وأي خديعة وأي كارثة مهدت لها تلك القصائد إذن!! وأي كذب بليغ كانت تمارسه على المشاعر والعقول! لم يكن أمام المرء إزاء الصدمة مما وقع، والدهشة من دفاع البعض عن الضلال ومساندة الباطل، لم يكن أمام المرء سوى ازدراء كل أضلاع الجريمة، بدءأً من الفاعل والفعل وانتهاء بالأدوات المساعدة! ولم يكن أمام المرء سوى التوقف عن الكتابة نهائيا، لكن كيف ذلك والكتابة أصلاً تكون الملاذ الأخير في مثل هذه الحالات من القنوط والإحباط!
بدأت أتحسس روحي المتداعية وأحاول أن أسري عنها بكتابة تخلت طواعية وربما دون وعي عن ميراثها القديم، وفرت مثل بنت تهرب من عائلة كاذبة لتؤسس لنفسها عائلة أخرى، أول ما تتسم به هو صدقها مع نفسها. وأنا أتصور أن هذا التحول كان سوف يحدث سواء غزا العراق الكويت أم لم يغزه، فما حدث لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير المتهالك، ولم تكن سوى عود الثقاب الذي بدد كذب الرطانات المتراكمة على العيون والعقول.
ثم ماذا كان البديل؟ أَوَ كُنَّا نواصل القصائد إياها بعد انهيار كل ما كانت معنية به، تماماً كما تفعل جامعة الدول العربية الآن وتصر على عقد دوراتها العادية والاستثنائية دون جدوى؟ أم كنا نواصل القصائد إياها لنعبر بها عما لم تخلق من أجله؟!
قلت في نفسي، وأنا أكتب "على بعد خطوة"، و"ثمة موسيقى تنزل السلالم"، لا يهم أن يكون ما أكتبه هو الشعر، لم أعد أطمح لأن أكون شاعراً! أطمح فقط في أن أسرِّي عن روحي، بكتابة صادقة. ولهذا السبب فأنا لست معنيا بالمرة بكون قصيدة النثر هي وريث الشعر العربي أم لا. لقد قلت ذات مرة إن قصيدة التفعيلة ليست إلا مرحلة انتقالية بين قصيدة العمود وقصيدة النثر، واليوم أتساءل: ما الضرر الذي أصاب قصيدة العمود من نشأة قصيدة التفعيلة؟ ألم تزل هي صاحبة الصولجان حينما تغنى. وما الضرر الذي يمكن أن تلحقه قصيدة النثر بقصيدة التفعيلة؟ أين الحرية إذن؟ انظر: إن الذين لا يكفون عن (الغناء) للحرية في قصائدهم العمودية والتفعيلية هم الذين يتربصون بليل لقصيدة النثر! وعلى أية حال فأنا فرحان لكون الشعراء الجدد أكثر رحابة من آبائهم.
رطانة وطراز رفيع

> أنت تنتمي إلى جيل لا يتم التوقف أمام شعرائه أو إنتاجه الشعري لدرجة أن شاعراً كبيراً قال إن العشرين سنة الأخيرة لم تنتج شاعرا مُهماً.. هل هذا صحيح؟ ولماذا هذا التجاهل؟
- لا أظن أن هذا حكماً موضوعياً من قريب أو بعيد. ثم ما هي مواصفات الشاعر "المهم" في نظره؟ ما هي المعايير التي اعتمد عليها في إصدار حكمه هذا؟ لماذا لا نفكر بأن الزمن قد استبدل "الشاعر المهم" بـ"الظاهرة الشعرية المهمة"؟ ومع هذا، فإن المرء ليخجل من أن يحسب نفسه شاعراً (مهماً)، أو أن يفكر في ذلك، أو أن يكون هذا وهمه! بينما أمته قد وصلت درجة غير مسبوقة من الهوان.
> هل تعتقد أن قصيدة النثر قد بدأت في التشكل بحيث يمكن إخضاعها لمعايير ثابتة عند التعرض النقدي لها، أم أنها بطبيعتها ضد التنميط؟
- أنت تعلم أن الشعر العربي كان أسبق من الخليل بن أحمد، وأسبق من كل النظريات النقدية، الظاهرة دائما تسبق النظرية. وقد تخلت قصيدة النثر عن ركيزتين أساسيتين في الشعر العربي، الوزن والقافية، فهي بهذا أصبحت ظاهرة مختلفة تستلزم نظرية نقدية مختلفة تكون بمثابة "عيار قصيدة النثر" وهذا لم يتحقق حتى الآن، وإن كان ثمة ملاحظات نقدية مهمة تجدها متفرقة في قراءات عديدة لكثير من النصوص التي تندرج تحت مسمى قصيدة النثر، إلا أن المعيار لا يزال بعيد المنال.
شاكر لعيبي ـ مثلا ـ يسلم بأن قصيدة النثر هي نوع شعري مخادع وصعب، فهي ـ كما يقول ـ على يد كثير من الشعراء من ممارسي الكتابة الشعرية رطانة صريحة وهي نفسها على يد شعراء متمكنين من أدواتهم الاستعارية والبلاغية نص من طراز رفيع. ولكنه لا يجيب على السؤال المهم، لماذا هي رطانة هنا، وطراز رفيع هناك؟
لو أن ناقداً حذقاً جمع كل نص صادفه وفتن به، ثم توقف ملياً أمامه ووضع يده على سر فتنته به، ثم جمع كل الأسرار المشتركة بين النصوص الفاتنة، لربما خرج علينا بمقدمة حقيقية لنظرية نقدية مواكبة لقصيدة النثر. بل يمكنه أيضا التأكد من مصداقية نظريته (validation of the theory) بتطبيقها على النصوص (الرطانات) ويتثبت من غياب أسرار الفتنة التي وقف عليها عن تلك النصوص!
من العابر إلى الفانتازي

> في السنوات الأخيرة اتجهت إلي ما يمكن تسميته "الشعر الديني"، وإن احتفظت بشكل قصيدة النثر ومفهومها، وقد ظهر ذلك في ديوانين أخيرين لك، ما هو السبب وراء هذا التغير؟ وكيف تستطيع المواءمة بين هذا المضمون وذاك الشكل؟
- تسمية "الشعر الديني" تعود بنا للوراء كثيراً، لعهود "أغراض الشعر"، فهذا شعر الرثاء، وذاك شعر الهجاء، وتلك قصيدة الغزل، وهذه قصيدة الزهد، إلى آخره.. وأظنك توافقني على أن قصيدة النثر لم تعد تخضع لهذه التقسيمات، التقسيمات التي لم تعد تصلح لوصف أو تصنيف النص الجديد، المركب بطبيعته، لهذا فأنا أتحفظ على مصطلح "الشعر الديني".
أنا أكتب قصيدة نثر، وأعرج بها على ما أشاء من مناطق، بدءأً بما هو عابر، مروراً بما هو فانتازي، ووصولا لما هو كوني، متكئأً على ما أشاء من مرجعيات وفلسفات وقناعات، وموظفاً كل ما أحب من أجل خلق النص الذي أرتضيه. وأنت تعلم الهواجس التي تنتابنا دائما خشية الوقوع في فخ التكرار أو إعادة إنتاج النص تحت مسميات مختلفة، الأمر الذي يأخذ بخناق قصيدة النثر نحو النمطية والتكلس بينما هي ابنة التحرر من القيود. إن ما فعلته ـ وليس من سبب وراء ما فعلت سوى أنني أحب الذي فعلت ـ أظن أنه يسهم في القضاء على تلك الهواجس.
وأما عن كيفية المواءمة بين هذا المضمون "الديني" و"قصيدة النثر"، فأقول ألم يكن الحب ـ مثلا ـ هو مضمون آلاف القصائد العمودية والتفعيلية وقد واءمنا بينه وبين قصيدة النثر؟ ليس العجيب أن تلج قصيدة النثر مثل هذه المناطق، لكن العجيب هو أن نرى تناقضاً في ما بينهما.
> منذ سنوات وأنت تعتزل الحياة الأدبية، فلا تتواجد في أماكن تجمع الأدباء ولا تدخل في جدلهم حول الموضوعات العامة أو الخاصة بالشعر. هل هناك دافع وراء هذا الغياب؟
- الدافع الحقيقي وراء هذا الغياب هو ضيق الوقت، فأنا أقضي ثمان ساعات يومياً في عملي المهني كباحث صيدلاني، وأخصص يوميْ الإجازة الأسبوعية عادة للقراءة، أما الكتابة فتأتي دائما في زحمة الانشغال، وفي الليل. وعملي هو مورد رزقي الذي أنفق منه على أسرتي وعلى الشعر أيضا، أشتري الكتب، وأصدر المجموعات، لقد أصدرت ست مجموعات شعرية ـ من بين ثمان مجموعات ـ على نفقتي الخاصة، ثم أنت تعلم كم هو منفر المناخ السائد في أغلب تلك الأماكن، وتعلم ما يدور في هذه التجمعات! لم يعد لدينا فائض وقت لنهدره، ولا مزيد من أعصاب لنحرقها في ما لا يجدي!
سطوة النقد المنافق

> كيف ترى المشهد المصري والعربي الآن.. هل هو مأزوم كما يقول النقاد؟ وكيف يمكن تقييم إنجاز الجيل الذي تنتمي إليه؟ وما هي الإضافة التي أضفتها للشعر العربي بعد كل هذه الدواوين التي أصدرتها؟
- النقاد يطلقون أحكاماً عامة ودون أية حيثيات!، لنفترض أن المشهد الشعري مأزوم، أليس المشهد العسكري مأزوم أيضا؟ والمشهد الاقتصادي والاجتماعي والعلمي؟ أليست الأمة كلها في مأزق تاريخي؟! إن إغفال الصورة بكاملها، والحديث عن مشهد أقصى من هامشي لهو أمر يخل بالمنطق.
إن جزءاً كبيراً من أزمة الشعر العربي تكمن أصلاً في أزمة المشهد العربي: في التخلف، وفي غياب الحرية، في سطوة النقد المنافق والفاسد. إنك حين تفتح عينيك على كارثة محدقة وتنتظر دورك في الالتهام، حتى لتغبط الذين أتيحت لهم الفرصة ليموتوا ميتة مشرفة، لن تتوانى عن كتابة نصك، نصك الذي تمتلك أدواته الخام، وماكينات تصنيعه، نصك الذي يستعصي على العقوبات والحصار. المشكلة إذن في المشاهد الأخرى، التي لم نعد نملك من أمرها إلا القليل.
أقولها إذن: المشهد الشعري هو أبعد المشاهد عن التأزم، وهو الذي يزود عن قطرة النور، وهو الأكثر ثراء، ولو عددت الأسماء الموزعة بين مصر والشام والخليج والمغرب العربي لاطمأننت على قطرة النور.


علي منصور يتوهج شعرا ، د. صلاح فضل ، جريدة الأهرام المصرية

http://yyy.ahram.org.eg/archive/2005/8/29/WRIT2.HTM

                                     



 



الكتاب

43365‏السنة 129-العدد2005اغسطس29‏24 من رجب 1426 هـالأثنين

علي منصور يتوهج شعرا
بقلم‏:‏ د‏.‏ صلاح فضل

علي منصور شاعر من حقبة التسعينيات‏,‏ ربما كان أنضج أصواتها العميقة‏,‏ درس علوم الصيدلة وحصل فيها علي درجة الماجستير‏,‏ ونشر أول ديوان له بعنوان لافت الفقراء ينهزمون في تجربة العشق عام‏1990,‏ ثم توالت أعماله بانتظام مدهش‏,‏ مجموعة شعرية كل عامين تقريبا‏,‏ حتي أصدر مؤخرا ديوانه الثامن بعنوان رزين هو الشيخ‏,‏ فكأنه قد شارف سن الحكمة في الأربعين‏,‏ وسرت إليه أحزانها الوضيئة‏,‏ ومباهجها العاقلة‏.‏ لكن شعورا مأساويا بالحياة‏,‏ ونبرة صوفية تبطنه بشجوها اللاهب‏,‏ يؤطر قصائد هذه المجموعة‏,‏ ويصهر كلماتها بوجده وتوهجه‏,‏ مما يجعلها من أصفي وأجمل مايمكن أن يطالعنا من شعر هذا الجيل‏,‏ ويرد لنا الثقة في مصير شعريته ومستقبل ابداعه‏.‏

والغريب في الأمر أنه يبلغ بنا هذه الدرجة من التفاؤل المشرق وهو ينعي نفسه‏,‏ ويسجل أقسي صور الاغتراب الموحش في إهدائه لديوانه‏:‏

إلي نبتة برية‏,‏ قرب مثواي الأخير

فكأنه يزرع بها بستانا من الشعر الحقيقي ويرويه بدم قلبه وفنه‏,‏ وكأن الشعر يجد منبته الخصب علي حافة الموت وفي رحاب المقدس‏,‏ فهو يغبط الجنايني‏,‏ عندما يقول له في واحدة من حباته الأخيرة‏:‏ أنت أيضا‏/‏ جنايني‏/‏ كل صباح‏/‏ ترش قلبك‏/‏ بالقرآن الكريم‏.‏ ولست أعرف تجربة علي منصور الشخصية في الصحة والمرض‏,‏ ولكن بوسعي ــ مثل غيري من القراء‏,‏ أن أدرك تجربته الروحية وخبرته الحميمة بعناصر الكون وقدرته اللافتة علي تشعيرها في قصائده‏.‏

ومع أنه يسخر في إحدي قصائده الطريفة من النقاد وهم يتحدثون عن شعرنة التفاصيل والفانتازيا‏,‏ فإنني أجد في القصيدة التي يستهل بها ديوانه أنشودة عذبة للطبيعة‏,‏ تذكرني بالشاعر اللاتيني العظيم بابلو نيرودا في أغانيه الفطرية التي يخاطب فيها الماء والهواء وعناصر الأرض‏.‏ أما علي منصور فهو يتحدث عن النبات ــ مادته الأثيرة في الدرس والتأمل ــ ويأمرنا بالصمت في عنوانها صه ليقول عنها‏:‏

النباتات‏,‏ ياصاحبي‏/‏ النباتات

تهرب الحكمة من لغونا

وتلوذ بصمت النباتات

حتي إذا ما هرمنا‏,‏

وصرنا شيوخا صامتين

عادت أدراجها‏,‏ وتوسدت تجاعيدنا‏!‏

وربما أطلت من عيوننا‏/‏ وابتسمت‏..‏

لحماقات اليافعين‏.‏

والجميل في عالم الإبداع أنك لاتعرف أبدا من أين ينبثق الشعر‏,‏ وكيف يتخلق‏,‏ فهو جدير بأن يطل عليك من مقلة صبي أو بسمة حسناء‏,‏ مثلما يطل عليك كما نري هنا من تجاعيد شيخ أو نبتة برية في الفلاة‏,‏ لكنه دائما يرتبط بروح الكون ليبث فيها شعورا إنسانيا دافئا بعناصرها الباقية‏,‏ ولمحة ذكية خاطفة لأسرارها الكامنة‏.‏ شاعرنا يعرف كيف يقرأ الصمت‏,‏ ويشهد تحولاته من النبات إلي الإنسان‏,‏ كيف يلوذ بالحكمة ويبتسم في أسي وإشفاق من حماقاته يافعا‏,‏ كي ينتشلنا من موكب الغافلين عن جوهر الوجود‏.‏

قالت زهرة‏:‏

يستقطر علي منصور من عناصر الطبيعة‏,‏ بحكم صنعته عطرها الفواح‏,‏ ينطقها بما يريد من بلاغة الحياة‏,‏ وهذا شأن الشعراء الحقيقيين في كل الثقافات‏,‏ لكنه يعرف كيف يقوم بتوزيع الأدوار‏,‏ وهندسة الأقوال‏,‏ وتشكيل المواقف بطريقة تضبط إيقاع الخطاب الشعري‏,‏ كي يخرج بمركب صيدلاني محسوب النسب ومضمون المذاق والفعالية‏,‏ فهو يقول مثلا في إحدي طبيعياته الرائقة‏:‏

قالت صخرة في البرية‏:‏

أيها العابر‏/‏ انتبه قبل أن تموت‏!‏

أيها الخائر في الليل‏/‏ واللاهث في النهار

هلا وضعت رأسك مرة‏/‏ في حجري

وسمعت تسبيح الملكوت‏!!‏

‏......‏

قالت شجرة في الغابة‏:‏

تشهد ياجذعي‏/‏ قددنا نصلهم

أولئك الذين‏,‏ حتي الأمس

كنت متكئا‏../‏ لظهورهم

‏..‏

قالت زهرة ياسمين‏/‏ أعلي السور‏,‏

فوحي يا أختاه‏!!/‏ فوحي

حتي يهتف العابر الجميل‏:‏

الله‏!!.‏

ومع أن هذا الشعر تفوح منه رائحة الحكمة المشرقية في كلمات جلال الدين الرومي وسعدي غير أنه من المواقع المطروقة التي يتوارد عليها المبدعون‏,‏ وما يعنينا منه هو هذا التوزيع الهارموني للعناصر الثلاثة‏:‏ صخرة وشجرة وزهرة‏,‏ تتدرج من الصلابة المطلقة إلي الهشاشة التامة‏,‏ لكن كلا منها يمتلك خبرته في مواقف متعددة ودلالات مختلفة‏,‏ تتصاعد في علاقتها بسر الكون‏,‏ ونقدها لسلوك البشر وتسامحها معهم حتي تصل إلي ذروة التفاني وتدرك حلاوة التضوع وقدسية الإعجاب بالجمال‏.‏

الغريب في سر هذه التركيبة الشعرية أن عنصر الإيقاع جوهري فيها‏,‏ سواء كان يسبح علي سطح النص من كسر التفاعيل والأوزان‏,‏ أم يتواري بتياراته المكنونة في الأعماق‏,‏ ومع أن إشباعه قد اعتمد طيلة آماد زمنية بعيدة علي منظومات الأوزان العروضية الملموسة والمقيسة كميا فإن تتابع التجارب الجديدة عبر ثورات الشعر المتتالية قد وضع قدرات الشعراء علي تحقيق التناغم الهارموني في الشعر مع غيبة الأوزان المطردة موضع الاختبار‏,‏ فاستطاعت كوكبة من كبار شعراء قصيدة النثر‏,‏ وشبابهم‏,‏ أن تجعلنا نتساءل عقب قراءة كل نص‏:‏ ما الذي ينقصه بالفعل من روح الموسيقي وعناصر الشعرية الفعالة وقد استطاع تعويض غياب هياكل النظم التقليدية وتوليد أضعافها من لذة جمالية خالصة‏,‏ لكن علينا أن نستمر في الكشف عن آليات هذا التوليد‏,‏ وأحسب أن كثيرا من نصوص علي منصور ومنها هذه القصيدة ذات الروح المشرقية الحكمية تحقق درجة عالية من التناغم المفعم بنشوة الموسيقي وبهجة الصورة في الآن ذاته‏.‏

الرجل الحزين‏:‏

قبل أن يلهج النقد الثقافي بالبحث عن منظومة القيم في الإبداع كان كبار النقاد يدركون دائما دور الشعر في بلورة الوعي وتشكيل الضمير المجتمعي عبر صناعة الرموز واستقطاب الضوء في بؤرة مشعة‏,‏ وأحسب أن البحث عن جماليات الحرية الذي ألح علي في السنوات الأخيرة ظل يفتقد عنصرا محددا ومهما لم أتبين كيف يتسني للشعراء علي وجه الخصوص أن يتمثلوه ويبشروا به‏,‏ وهو أن هذه الحرية ــ في تجليها السياسي ــ تتمثل في الديموقراطية‏,‏ لكن كيف يهبط الشعراء إلي غبار الشوارع وينشدون للديموقراطية؟ ظلت هذه المشكلة تؤرقني حتي قرأت قصيدة كأنها السياج في هذه المجموعة فكدت أهتف وجدتها‏,‏ يقول شاعرنا الجميل‏:‏

حزين جدا هذا الرجل‏/‏ أمام التلفاز

حزين‏../‏ وساكت

‏(‏كانوا يدلون بأصواتهم‏,‏ في الصناديق

وهو يتفرج عليهم‏)‏

ود لو جرب شعورا مثل هذا

قبل أن يموت‏!!‏

كأنها مزهريات‏,‏ هذه الصناديق

كأنها حدائق‏!‏

كأنها أراجيح أطفال‏/‏ يمرحون في الجوار

كأنها عربات رضع‏/‏ تدفعها أمهات فرحات في الجوار

كأنها شمعة‏../‏ تعد المساء لصديقين يبوحان بأسرار

كأنها موسيقي حنون

تهدهد قلب شاعرة نرويجية

وهي في غمرة الكتابة‏.‏

كأنها سياج‏/‏ يحرس الوطن

الحقول‏/‏ والمصانع‏/‏ والجامعات

وخلايا النحل التي تطن حول الصناديق

كنت أفرح بالشعراء الذين يتغنون ويضيئون طريق التقدم‏,‏ لكن أحدا منهم لم يكن قد عثر علي رمز أو أيقونة مجسدة لهذه المنظومة القيمية الجديدة علي عالمنا وثقافتنا العربية‏,‏ حتي جاء هذا الشاب الناحل الحزين ليشير إليها في تلقائية مدهشة وعفوية بديعة‏.‏ إنها صناديق الاقتراع المطهرة‏,‏ يتمني مثلي تماما أن يجرب الشعور بها قبل أن يموت‏,‏ لقد وضعنا عصر الصورة في قلب المحنة‏,‏ وأطلعنا علي مشاهد النعيم الذي لم نجربه‏,‏ ولظي الجحيم الذي نصلي به‏,‏ وكان لابد للشعر أخيرا أن يعقد قرانه مع صور التلفاز ويسهم في بلورة ذبذبات القلوب واصطياد خطرات الضمائر‏.‏ ومع أن شاعرنا يعتمد علي تقنية عتيقة‏,‏ لاتزيد عن أداة تشبيه أولية‏:‏ كأن‏,‏ فقد استطاع أن يفتح بها رؤي للمستقبل بحدائقه وأطفاله‏,‏ ورعشات البهجة الموسيقية الحنون وهي تغمر قلب مبدعيه بالاطمئنان إلي مستقبله‏.‏ استطاع الشاعر أن يري في هذه الصناديق عسل السعي الجماعي السلمي النظيف لصناعة حلاوة المستقبل من كل الأزهار المتفتحة‏,‏ واستطاع أن يري فيها الحماية الحقيقية للوطن المنتج المتكافل مثل خلايا النحل‏.‏ هل يحق لي أن أقترح علي واضعي مناهج النصوص الأدبية أن يدرجوا هذه القصيدة في مقررات
الشعر حتي يتربي أبناؤنا علي عشق الديموقراطية‏.‏

تقارير المراسلينالعالمالوطن العربيمصرالصفحة الأولي
ثقافة و فنونالرياضةإقتصادقضايا و أراءتحقيقات
المرأة و الطفلملفات الأهرامأعمدةالكتابالقنوات الفضائية
موضوعات في نفس الباب
~LIST~