الأربعاء، 12 فبراير 2014

(الشيخ ) في جريدة أخبار الأدب المصرية

نصوص مهداه إلي نبتة:
إشارات 'الشيخ' وتجلياته! د. سعيد الوكيل
للشعراء سجلْطَة قاهرة تتجلي حين يعيدون التقاليد القديمة للهجاء، ومن ثم تتيح لهم فرصة النَّيل من النقاد الذين أخترعوا سلطة أخري ­ بحق أو بغير حق­ أتاحت لهم تشريح النصوص وأصحابها (بالتبعية) أحيانا، والحكم من ثَمٌ بالجرح والتعديل علي النص وصاحبه جميعا. لا تموت تقاليد الشعر القديمة إذن، كما لا تموت المفاهيم النقدية، بل تبقي التقاليد والمفاهيم خفية حينا وسافرة حينا.
يعيد علي منصور تقاليد الهجاء في إحدي قصائد الديوان، ومن ثم يؤسس بعض مفاهيمه للشعر، لكن هذا لا يعني علي الدوام إخلاص النص للشاعر وانسحاقه تحت وطأة القلم ليكتب ما شاء: فالنص يؤسس شعرية خاصة ومفاهيم تتصارع داخل جنبات الديوان.
الشاعر (عموما) مسكين لأنه يقول ما يظن أنه يريد أن يقوله، والناقد مسكين لأنه يري في النص غير ما أراد الشاعر، ومن ثم يهجوه الشاعر. علينا أن نعترف إذن بسلطة النص قبل سلطة الناقد المسكين، والشاعر.
ويبدو لي أن شعر علي منصور _علي مدي تاريخه­ يتأرجح بين هذين القطبين: الواقع والواقع الشعري. ألا تري إلي اسم ديوانه الأول ¢الفقراء ينهزمون في تجربة العشق¢ (الذي نشر عام 1990 علي الرغم من أن الشاعر ينتمي بحق إلي جيل السبعينيات)، وهو عنوان يختلف أيما اختلاف عن العناوين الأكثر شعرية لدواوينه الستة التالية التي تسبق ¢الشيخ¢.
العنوان والإهداء: عتبات التأويل
أما مفتاح هذا الديوان فيبدو أنه يكمن في العنوان والإهداء: فالعنوان هو ¢الشيخ¢، أما الإهداء فإنه ¢إلي نبتة برية قرب مثواي الأخير¢. فهل ¢الأنا¢ هي الشيخ نفسه الذي يهدي الشعر إلي من يشاركه العزاء حقا: النبتة التي تملأ عالمه الجديد حيث لا عزاء، بأنفاسها وما فيها من حياة تصله بعالمه الذي لم يكن يتمني أن يغادره: عالم الحياة الحقيقية: الشعر؟
إن القراءة المتأملة للديوان تكشف عن الحضور النباتي في كل القصائد (عدا القليل من قصائد الهجاء التي أراها الصوت الداخلي المضاد للشعر في داخل الديوان ومنها: ¢فانتازيا¢، و¢كلمة ضالة¢)، تعبيرا عن البديل الشعري للواقع الإنساني المتخلي. فهل فقدت الأنا ثقتها في الناس والعالم، ولم يبق سوي عالم النبتة رفيق طريق؟
الشعري يلوذ إذن بالطبيعي المتمثل في النبتة، بعيدا عن عالم الإنسان الذي يمكن تفكيك عناصره إلي: اللغة _ الحماقة _ الدخان _ الزحام _ التجهم _ الخَوَر _ اللهاث _ القتل _ الشذوذ _ الصخب _ الأرق من الموت. وفي المقابل يمكن تفكيك عناصر عالم النبات إلي: الصمت _ الحكمة _ منح الطمأنينة­ التسبيح _ العطاء _ الإيمان _ الحياء _ الرضي بالذبول).
الصورة _ الأمثولة ­ المعادل الموضوعي
ولو أننا فككنا عناصر الصورة التي رجسمت للشيخ ­ عبر مراحل عمره ­ منذ الصبا وحتي الاستعداد للموت: لوجدنا ­تقريبا­ العناصر نفسها التي تشكٌل عالم النبتة (بتجلياته المختلفة: الزهرة­ الشجرة... إلخ). فالديوان يبني نموذجا إنسانيا (ولا يشغلنا إذا كان يشير إلي الشاعر أو أبيه أو سواهما) هو الشيخ: صوت الحكمة والإيمان والورع والروح والآي. ومن ثم تبدو النبتة معادله الموضوعي.
التميز في بناء المعادل الموضوعي داخل الديوان يتمثل في أن خلق المعادل يتأتي من مأتي بعيد، وذلك علي مدي الديوان في مجمله، كما أن بناء المعادل الموضوعي لا يتجاهل الطبيعة الخاصة أو المجال الحيوي للمشبه به، فكأنه يخلق أمثولة شعرية نستطيع أن نربطها بمعادل أو لا نربطها. وربما يكشف تأمل بعض الصور التي تكاد تكون متوازية للشيخ والنبتة عن بعض ملامح تلك الأمثولة:
ملامح الشيخ
الغلام ذو البشاشة _ ذو الصوت المبلل بالنعمة والرضوان­ الغلام الجميل كأجتْرججَّة­ المنوَّر بيقينه
­ غرس الفسيلة وهو يدعو:
رب اجعل هذا عملا صالحا
ألقي التحية علي الجيران، وابتسامته تشهد ...
­ قلبه أخضر، هذا الشيخ،
ووجهه صبوح
كأنما السكينة انتحلت هيئته.
­ أنت أيضا جنايني...!
كل صباح، ترش قلبكَ
بالقرآن الكريم (ص 62)
إنها صور متفرقة ترسم ملامح شخصيات متنوعة، لكنها تبني معا صورة فسيفسائية شديدة الوضوح للشيخ وتربطه علي نحو ما بعالم النبات.
ملامح النبتة
­ تهرب الحكمة من لغونا وتلوذ بصمت النباتات.
­ ما من شجرة واحدة قد قطبت الجبين .
­ ثلاث زهرات جاردينيا
همسن لربة المنزل...
سنكمل ترتيل سورة مريم.
إن القارئ الأريب يستطيع أن يعقد المشابهات ليتبين صدق القول بإقامة علاقة ­ تخفَي حينا وتتبدي بجلاء حينا ­ بين صورة الشيخ والنبتة، لبناء صورة شعرية شديدة الصفاء والبساطة والعمق.
الالتزام والصوت المضاد للشعر
ما سبق أن أشرتج إليه عابرا، من صوت مضاد للشعر يتمثل في قصائد تجبني منطقيا وتشير إلي الواقع علي نحو يكاد يكون مباشرا. إنها القصائد التي تحاول تحمل مفهوم ¢الالتزام¢، وهي:
1­ ¢أثر عربي¢: وهي قصيدة جميلة كان يمكن أن تنأي عن المباشرة لو احتفظ الشاعر بالعنوان، ولم يخاطب قائلا: أيها العربي (في السطر الثاني) ولم يجنْه النص بالخطاب: ¢يا أيها العربي¢.
2­ الشاعر المسكين.
3­ ¢همهمة تماثيل مصرية¢: وهي قصيدة لا يعيبها سوي عنوانها شديد المباشرة، والذي يخنق دلالة النص. وعلي الرغم مما يفعله العنوان: فإن النص تأبٌي علي ذلك التصنيف، واقترح­ نظرا لشعريته الفائقة­ أن يضرب القارئ صفحا عن العنوان ويقرأ النص خالصا من ذلك التقيد الذي ألزم الشاعر إيانا به وهو مما لا يلزم.
4­ ¢كأنها سياج¢: إنها قصيدة ترصد شعور رجل عاجز عن أن يفعل مثل ما يفعله ناخبون في التلفاز إذ يدلون بأصواتهم في الصناديق:
¢وهو يتفرج عليهم
ودٌ لو جرب شعورا مثل هذا،
قبل أن يموت
كأنها مزهريات، هذه الصناديق!!
كأنها حدائق ....
كأنها سياج
يحرس الوطن في الليل¢.
وتستمر القصيدة في وصف الصناديق التي تعبر عن حماية رأي الجماعة في مقابل القهر الذي لا تعرف مظاهره سوي في عجز ذلك الرجل أمام التلفاز. تحتال القصيدة إذن لكي لا تعبر علي نحو مباشر، وتنجح حقا.
إن الديوان مبني علي تحاور صوتين: أولهما الصوت المعبر عن مسيرة الشيخ متماهية مع البنية التي تمثل المعادل الموضوعي له، والصوت الآخر هو الصوت المباشر المعبر عن الواقع القاهر. ويتوج تلك الثنائية قصيدة تختم الديوان (قصيدة: حَب ونوي)، وتتميز عن سائر القصائد بطبيعتها الشكلية: فهي تنقسم داخليا إلي مجموعة مقطوعات قصيرة يحمل كل منها عنوانا خاصا، وهي شديدة الاختزال جاءت في صيغ أشبه بالصيغ الحِكمية، تلخص رؤية أخلاقية وتصورا للعالم يليقان بشيخ يؤرَّخ له شعريا. الشعري والسردي:
تبقي الإشارة إلي ما يميز الديوان من تنويع في طرائق الإبداع الشعري، ومن ذلك اللجوء إلي دمج الغنائي بالسردي، ولعل أوضح القصائد التي تكشف عن هذا الملمح قصيدة ¢حالة حرجة¢. تنقسم القصيدة إلي حركتين قصيرتين لا تستغرق الأولي أكثر من عدة كلمات موزعة علي سطرين، لكنها تقدم مشهدا بالغ الشعرية، يصور الأنا (الراوي) وهي ترصد فتاة (مريضة في حالة حرجة كما نفهم من العنوان):
¢لمحتج حلما،
فوق شفتين نائمتينْ¢
أما المشهد الآخَر فينتقل إلي ¢وصف¢ من يدفعون بجسد تلك الفتاة علي ¢التروللي¢. ثم يعود صوت الأنا مرة أخري ليفكك الحلم الذي أشيرَ إليه في الحركة الأولي إلي: عروس _ ثوب أبيض _ زغرودة الأم، ولا يغفل أن يفيد من الإمكانات السردية فيصف تلك الزغرودة بالممر الذي لمحناه في بداية المشهد:
¢كانوا يدفعون التروللي
ويهرعون
في الممر الطويل.
مرت الجلبة،
وظل معي ما لمحته
في
ابتسامة
الشفتين:
العروس، في ثوبها الأبيض.
وزغرودة أمها
أطول _ بكثير _
من الممر¢ (ص 45)
إنه _ في هذه القصيدة وغيرها ­ يستحضر شخصيات وحوارات ووصفا، ويصٌاعد بالأحداث ويكثفها، ويصنع صنيع القاص في مواطن كثيرة (كما في القصائد: في تقديم التلاوة _ قالت صخرة وقالت شجرة وقالت زهرة ياسمين _ المنوٌر بيقينه _ الشيخ _ حكاية عن الشجرة)، لكنه ينجح في تضفير تلك الطرائق ليخلق نصا شعريا بامتياز.


حوار الشاعر مع مجلة الأهرام العربي

400‏السنة 123-العدد2004نوفمبر
20‏7 شوال 1425هـالسبت
الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

علي منصور لقبه البعض بشاعر قصيدة النثر الإسلامية‏:‏

موقف عبدالمعطي حجازي انفعالي ولا ننتظر اعتذاره

أجري الحديث ـ مصطفي عبادة
تصوير‏-‏ موسي محمود


هذا شاعر إشكالي‏.‏
شهدت مسيرته الشعرية تحولات حادة‏,‏ بدأ سياسيا مهموما وجاءت قصيدته حاملة لكل هذه الهموم‏,‏ ثم انتقل إلي قصيدة النثر بسبب شكه وعدم إيمانه بالمرجعيات التي تحكم القصيدة العربية عمودية وتفعيلية‏,‏ وذلك بسبب غزو صدام للكويت‏(‏ كان يعمل هناك‏),‏ حيث وجد نفسه في الصحراء وحيدا بلا ماض أو تاريخ كما كان يظن‏,‏ وهو في قصيدة النثر أحد المتميزين‏,‏ رسم طريقا تخصه بالاعتماد علي اللغة السهلة التي ربما تخرج أحيانا علي الشاعرية‏,‏ وعلي الإيقاع المهموس‏,‏ تدور عوالمه الشعرية حول البراءة الأولي كأنه يخترع تاريخا جديدا لنفسه‏,‏ وكانت خطوته الأهم علي مستوي التشكيل اللغوي حينما تماهت مفرداته مع لغة النص المقدس وتسرب روح القرآن في قصيدته حتي إن البعض لقبه بشاعر قصيدة النثر الإسلامية‏,‏ وقد بدا فرحا بهذه التسمية رغم خطورتها فنيا علي الشعر‏,‏ حول كل هذه القضايا ومشكلات قصيدة النثر كان لنا معه هذا الحوار‏..
‏**‏ تتماهي لغتك أحيانا مع المقدس‏,‏ هل تفعل ذلك قاصدا؟
لا‏.‏ إنما يأتي ذلك بشكل عفوي‏,‏ وفق الذائقة‏,‏ فأنا مفعم بالمقدس منذ الطفولة‏,‏ وحتي في كتاباتي الأولي حينما كنت واقعا تحت سطوة الأيديولوجيا‏,‏ الماركسية تحديدا‏,‏ وطغت في نصوصي مفردات من قبيل الحزب‏,‏ والفقراء‏,‏ والعمال‏,‏ والحارات‏,‏ واللجنة المركزية‏,‏ والإضراب‏,‏ والشعب‏,‏ والمخبر‏,‏ إلي آخر ذلك‏,‏ لم تخل هذه النصوص أيضا من تماس مع الدين‏,‏ وتحديدا مع لغة القرآن الكريم‏,‏ بل هناك قصائد اتكأت بشكل كامل علي أحداث تاريخية إسلامية مثل حادث الهجرة‏,‏ وحادث نزول الوحي‏,‏ وغيرهما‏.‏ إنني لا أسعي إلي اللغة في النص كغاية في حد ذاتها‏,‏ وإنما الفكرة المطروحة في النص‏,‏ والمعني المنشود منه هما اللذان يدفعانني إلي انتقاء مفردات بعينها وصولا إلي لغة أتصور أنها ستنجح في تحقيق ذلك المعني أو تجسيد تلك الفكرة‏,‏ أنا شديد الحرص علي المعني‏,‏ وفي ذات الوقت لا أحب له أن يتجسد إلا عبر لغة قريبة من القلب‏,‏ وكذا مفردا ت بيني وبينها حميمية خاصة‏.‏
‏**‏ هل إلي الحد الذي يجعلك تصد ر أحد دواوينك بحديث شريف؟
ولم لا؟إذا كنت أري أن هذا سيسهم في تحقيق فنية العمل‏,‏ إنني قد صدرت ديوانا سابقا بنص للحكيم الصيني لاوتسو دون أن يسبب ذلك أدني حساسية لدي البعض‏,‏ كما أن التصدير الذي تشير إليه تضمن أيضا إلي جانب الحديث الشريف نصا آخر للحكيم الفرعوني أمنموبي لماذا لم يلفت انتباهك سوي الحديث الشريف‏.‏ وهل إذا كان التصدير قد اقتصر علي قول أمنموبي لمر الأمر دونما دهشة‏!!‏ ولماذا لم تلتفت إلي دلالة التجاور بين الحديث الشريف ونص أمنموبي‏,‏ يا صديقي لا يجب أن يدفعنا الخجل مما آلت إليه أحوال المسلمين إلي أن نخجل من الدين ذاته‏,‏ أو أن يصيبنا الحرج من التماس معه في كتابتنا‏.‏
‏**‏ هل من أجل هذا لقبك البعض بشاعر قصيدة النثر الإسلامية؟
لا أعلم أن أحدا لقبني بهذا اللقب‏,‏ قرأت فقط أن الأستاذ الشاعر عبدالمنعم عواد يوسف كان قد ألقي بحثا عن ديوان عشر نجمات لمساء وحيد في المؤتمر السادس لرابطة الأدب الإسلامي‏,‏ في ندوة تقريب المفاهيم‏,‏ وكان عنوانه قصيدة النثر من منظور إسلامي علي منصور نموذجا‏,‏ وقرأت أيضا أن هذا البحث أثار زوبعة أدبية وقوبل باعتراض شبه جهري من أكثر الحاضرين‏,‏ لكن الأستاذ الدكتور حسن الإمراني رئيس تحرير مجلة المشكاة المغربية‏,‏ والذي كان شاهدا علي وقائع هذه الندوة كتب افتتاحية العدد رقم‏40‏ عن هذا الديوان متخذا له عنوان نمط جديد في الكتابة‏,‏ راصدا الملابسات والاعتراضات ومتوقفا أمام بعض النصوص مثنيا عليها ومتحمسا لها حتي إنه اعتبرها منارات في الطريق الذي بشر به الأستاذ محمد قطب‏.‏
‏**‏ هل أنت سعيد بهذا اللقب؟
هذا شرف لا أدعيه‏,‏ واتهام لا أنكره‏.‏
‏**‏ لماذا؟
لأنه لا يوجد شئ اسمه شاعر قصيدة النثر الإسلامية وإن وجد فلن يستحقه إلا من يستطيع أن ينهض بالمسلمين أو أن يسهم في نهضتهم من خلال قصيدته النثرية‏.‏
أما أنه اتهام لا أنكره‏,‏ فذلك حتي لا يظن أحد أنني أخجل من التماس مع هذا الدين الحق في كتابتي‏.‏
‏**‏ هل في الفن إسلامي وغير إسلامي‏,‏ الفن متغير والمقدس ثابت‏,‏ كيف توفق بين الأمرين؟
لا‏,‏ ليس في الفن إسلامي وغير إسلامي‏,‏ ولكن في الفن تأثيرات إسلامية وأخري غير إسلامية‏.‏ فمثلا حينما نقول العمارة الإسلامية فهذا يعني أن العمران في أوج العصر الإسلامي اتخذ لنفسه ملامح وخصائص ميزته عن غيره‏,‏ وكان ذلك بفعل وإيحاء من الثقافة الإسلامية‏,‏ وكذلك حينما نقول الفن القبطي‏.‏ هناك بالتأكيد مؤثرات في الفنون‏,‏ والدين الإسلامي من بينها‏.‏
أحمد عبد المعطى حجازى
**‏ من أول من أطلق عليك هذه التسمية؟
أنت‏,‏ هنا في هذا الحوار‏,‏ ويبدو أنك مغرض‏,‏ إذ تود أن تختزل تجربة قوامها سبع مجموعات شعرية في ملمح واحد فقط طغي في مجموعة واحدة هي عشر نجمات لمساء وحيد‏.‏ اسمع إذن‏,‏ أنا أكثر شاعر مصري تناسل فيمن جاء بعده من شعراء‏,‏ وعشرات النصوص التي تكتب الآن يمكنك ردها بسهولة إلي مجموعة ثمة موسيقي تنزل السلالم‏.‏
‏**‏ انتقلت إلي كتابة قصيدة النثر فجأة‏,‏ وكنت مصرا علي قصيدة التفعيلة‏,‏ متي حدث ذلك بالضبط‏,‏ ولماذا؟
في صباح الخميس الثاني من أغسطس عام‏1990,‏ تعرضت مسلمات كثيرة لامتحان قاس لم تحتمله في قليل أو كثير‏,‏ تخلخلت قناعات كثيرة‏,‏ واستيقظت شكوك أكثر‏,‏ وانسحب ذلك علي عديد من التصورات السابقة‏.‏ أدركت أن ثمة انفصاما بين القول وبين الفعل‏.‏
وشعرت بهوة صارخة تفصل بين ما هو طاغ في الذهن وما هو منحسر في الواقع‏.‏ لم أدر إلا وأنا أكتب قصائد نثرية لا تعول علي شئ‏,‏ وأنا أيضا كنت غير معول علي شئ‏,‏ لا علي ما أكتب ولا علي رد الفعل لما أكتب‏.‏ فقط كنت في حاجة إلي العثور علي ما يجعلني أتماسك من جديد‏,‏ كنت في حاجة إلي قناعات جديدة‏.‏ وكما تري لم يكن ثمة تعمد في التخلص من تأثيرات السابقين‏,‏ ولا كانت ثمة قصدية في الانتقال إلي كتابة قصيدة النثر‏,‏ محض انتقال للذائقة من طور إلي طور آخر ومحض ظرف تاريخي أدي إلي زحزحة قناعات لصالح قناعات أخري‏.‏
‏**‏ في أغلب قصائدك في الدواوين الأربعة الأخيرة‏,‏ هناك فتاة مراهقة في حالة حب‏,‏ وفتي ينتظرها‏,‏ يبدو لي أن رؤيتك للعالم تبدأ من هنا‏.‏
تأسرني دائما تلك الـ حالة حب في الكتابة‏,‏ ربما لأن العالم تسوده حالة كراهية وعداء‏,‏ وأن قوي الشر تحرك البشرية بعيدا عن حاجات الروح‏,‏ إن تفشي القسوة والظلم قد شوه روح البشر بدرجة مرعبة‏,‏ وفي مواجهة هذا‏,‏ ليس أمام الضعيف سوي أن يستن شريعته بالغناء لمبادئ الفطرة‏,‏ والعزف علي أشواق لا تجف‏.‏
‏**‏ جنحت القصيدة الجديدة إلي اللغة السهلة‏,‏ لغتك بالأخص مضت إلي آخر الخط في هذا الطريق‏,‏ وأحيانا تخرج علي الشعرية‏,‏ كيف تري هذه القضية؟
أنا لا أريد للغة أن تتجاوز مهمتها في القصيدة‏,‏ لا أريد لها أن تتحول من كونها أداة للشعر‏,‏ فتصبح هي الشعر ذاته‏.‏ من هنا فأنا أميل دائما للغة القريبة متصورا أن شعرية قصيدة النثر تعتمد في أحد جوانبها علي هذه الخاصية‏,‏ ومدركا في ذات الوقت أنها مخاطرة كبيرة قد تهدر شعرية النص بالكامل ما لم يتم استغلال هذه البساطة والسهولة اللغوية في تحقيق مزج بين العمق والوضوح‏,‏ بين المفارقة والعفوية‏,‏ بين الإدهاش وعدم الافتعال‏.‏ إن شعرية قصيدة النثر هي بالدرجة الأولي شعرية حالة‏,‏ ولهذا فإن الموهبة تلعب أهم الأدوار‏,‏ فإذا غابت أو خفتت سقط النص سقوطا مدويا‏.‏
‏**‏ يشكو شعراء القصيدة الجديدة من ظلم المؤسسات في الوقت الذي صدر لك ولغيرك دواوين عبر مكتبة الأسرة‏,‏ كما أن حجازي اعتذر عن موقفه منكم‏,‏ هل تستمرون في حالة الشكوي؟
حكاية الشكوي من ظلم المؤسسات هذه حكاية عجيبة ومضحكة‏,‏ فمثلا بعض الكتاب الكبار لا يفتأون يهاجمون المؤسسة ويعلنون أنهم ضد المؤسسة ولو تأملت في الأمر جيدا لوجدت أن الواحد منهم مؤسسة بكاملها‏,‏ بل ويمارس علي الآخرين ممارسات ربما أقسي مما يشكو منها‏.‏ أما شكاوي شعراء القصيدة الجديدة‏,‏ فكل يغني علي ليلاه‏,‏ وليلي هذه قد تكون منحة تفرغ‏,‏ أو ترشيح لجائزة‏,‏ أو مضاعفة مكافأة نشر‏,‏ أو المشاركة في أحد المؤتمرات بالخارج إلي آخره‏.‏ الغريب أن أكثر الأصوات شكوي من المؤسسة قد تكون أكثر المستفيدين منها‏.‏ قليلون هم الذين لم يتورطوا في هذه اللعبة المكشوفة فلم يجأروا بشكوي‏,‏ ولم يعولوا علي شئ من قبلها‏,‏ لأنهم ببساطة لا ليلي لهم لدي المؤسسة‏.‏ أما بخصوص مجموعتي التي صدرت عن مكتبة الأسرة فيكفي أن تعلم أنها مجموعتي الشعرية الأولي تمت إجازتها للنشر في الهيئة عام‏1986‏ في سلسلة إشراقات أدبية‏,‏ لكنها لم تنشر‏,‏ وأصدرتها علي نفقتي عام‏1990,‏ ولما عرض علي التقدم بكتاب للنشر في مكتبة الأسرة تقدمت بذات المجموعة لكي تنشر بعد مرور ثمانية عشر عاما علي تاريخ إجازتها للنشر أول مرة‏.‏ أما عن اعتذار الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي عن موقفه من شعراء قصيدة النثر‏,‏ فأنا شخصيا لم أكن أنتظر منه أي اعتذار‏,‏ لأنني كنت موقنا تماما أن المسألة كلها مجرد موقف انفعالي ليس أكثر‏,‏ وأنه ابتعد عنها فترة طويلة ربما لانشغاله باهتمامات أخري‏.‏ فات أوان الشكوي يا صديقي‏,‏ هذا أوان الحزن والحداد‏,‏ حتي علي الأحلام الصغيرة‏.‏
‏**‏ بعض النقاد والشعراء أيضا يعتبرون قصيدة النثر جنسا أدبيا مستقلا‏,‏ فهل توافق علي ذلك؟
بالطبع لا‏.‏ فأنا أري أن قصيدة النثر هي التطور الطبيعي لقصيدة التفعيلة‏,‏ وأري أنها مرشحة للبقاء طويلا مثلما حدث مع القصيدة العمودية‏.‏ وأري أن قصيدة التفعيلة لم تكن سوي مرحلة انتقالية بين شكلين معمرين هما قصيدة العمود وقصيدة النثر‏.‏
‏**‏ مر وقت طويل‏,‏ ولم يكتمل الإطار النظري لقصيدة النثر‏,‏ لماذا؟
ربما لم يمر وقت طويل‏,‏ إذا أخذنا في الحسبان التوقع بأنها ستكون أحد الأشكال المعمرة في الشعر‏,‏ وربما يكون ذلك من سمات مرحلة تاريخية مختلفة‏,‏ فلا شئ يكتمل له إطار نظري‏.‏
قل لي مثلا ما الإطار النظري لـ النظام العالمي الجديد الذي طفا علي السطح منذ انهيار الاتحاد السوفيتي‏!!‏ وما هو الإطار النظري للإرهاب‏,‏ الذي تحت شعار مكافحته تتغير خرائط البلدان والشعوب‏.‏
‏**‏ أين نقاد هذه القصيدة الجديدة‏,‏ ولماذا لم تفرز نقادها؟
لا توجد حركة نقدية جادة مواكبة لقصيدة النثر وقد يرجع ذلك إلي عدة أسباب منها التفاوت الكبير في النصوص التي تنتمي إلي هذا الشكل‏,‏ الأمر الذي قد يدفع الناقد الجاد إلي التراجع عن دراسة النماذج العالية حينما يواجه بطوفان من النماذج المتواضعة والركيكة‏.‏
أيضا قد يتراجع الناقد الجاد عن تناول هذه القصيدة بالنقد والدراسة حينما يري أن الساحة النقدية تعج بأشباه النقاد ولا تقل عن الساحة الشعرية اضطرابا وبلبلة فيؤثر الصمت علي أن يتورط في الولوج لساحة الشبهات‏.‏ وربما يجفل الناقد أخيرا عن بحث وتحليل هذا الشكل الشعري الجديد علي أثر المعارك التي تنشب علي صفحات الجرائد بين الحين والحين حول قصيدة النثر ومدي مشروعيتها‏.‏
‏**‏ هل نستطيع القول إنك بدأت واقعيا وانتهيت مثاليا إسلاميا؟
لا‏.‏ الحقيقة أنني كنت مثاليا علي طول الخط ومنذ البداية‏,‏ فقط تعرضت لامتحان أن أكون واقعيا‏,‏ ولم أجتزه‏,‏ الواقعي هو السياسي‏,‏ والمثالي هو الشاعر‏,‏ ويبدو أن المثالي قد تغلب‏,‏ لأنه كان هو الجوهر وتنحي الواقعي لأنه كان هو الطارئ‏*‏


(الشيخ ) في جريدة النهار اللبنانية

الشيخ




//

مقالي اليوم في النهار

//

الـشـــــيـخ.. لـعــــلـي مـنـــصـــــور

لـغــــة الــشـــــعــر ســـــــرديّـــة وزاهـــــــدة

..
القاهرة

..

يفتتح الشاعر علي منصور مجموعته الشعرية الثامنة، "الشيخ"، الصادرة حديثاً في القاهرة، لدى "دار شرقيات" للنشر، بإهدائه الموغل في الحزن "إلى نبتة في البرية، قرب مثواي الأخير"، متكئاً على حالة صوفية، أقرب ما تكون إلى الزهد الخالص، جوهرها الرغبة في الخلاص من أثر الواقع وجموده، ورومنطيقية جديدة تسعى إلى أنسنة الأشياء، والكائنات، والنباتات، والأشجار على وجه الخصوص، من دون الانتقاص من دورها في تشكيل خرائط الحياة: "النباتات، يا صاحبي،/ النباتات...!/ تهرب الحكمة من لغونا/ تلوذ بصمت النباتات!/ حتى إذا ما هرمنا،/ وصرنا شيوخا... صامتين/ عادت أدراجها،/ وتوسدت/ تجاعيدنا!".يقيم علي منصور في هيئته الصوفية هذه، تناصاً مع الآيات القرآنية، ليس بغرض إبراز الملمح الديني، والإلماح إلى هاجس مؤرق حول معنى الحياة، تُشحن فيه روحه بشاعرية تأتيه كلما أصاخ السمع إلى التلاوة القرآنية بمذاهبها المختلفة، بقدر اهتمامه بتطويع اللغة، وإكسابها دفقة موسيقية عالية: "لكنها يده التي استبقتني/ وهدهدت قلبي:/ (أنصت، لسورة الحديد، يا بني)/ وربت، ثانية، على كتفي/ ثم إبتسم للشجرة.../ الشجرة التي تقرأ/ برواية ورش عن نافع!". وهو يفعل ذلك في محاولة تجريد الكلمات من ضلالها، حين تخون المعنى، ويصبح الوقوف أمام تركيبتها ضرورة، تستحضر السؤال، والدهشة أمام القارئ، ليعيد التفكير فيها من جديد.يكتب علي منصور شعراً متناهياً في البساطة، غايته أن يشاركه العابرون لحظاته الأثيرة، من دون استعارات ضخمة، أو لغة مقعرة، تصبح كأبواب المدن الموصدة في وجه العابرين: "تفضل.../ أيها العابر الخفيف، تعال.../ هنا إلى جواري/ حيث نفسح للحكاية والدموع". حين يطمئن إليه العابر، يفرش ماضيه بين يديه، ويقص عليه حكاية البنت، التي كان يرتبك كثيراً حينما يراها، البنت التي دق قلبه حتى فضحه عندما دنت منه، وفتحت في صدره نهراً، وأنعشته بالياسمين حين تزوجها.يهيىء الشاعر قارئه في أكثر من قصيدة، لتأمل حاله العربية، السياسية الراهنة، التي لا يملك فيها رأياً، أو قدرة على المشاركة في صنع قرار يخصه، خاضعاً لمبررات الهيمنة الخارجية. يدعوه إلى أن يجرب حياة أخرى، أن يترك أثراً عربياً غير الهوان، يستحق أن يعيش من أجله، وأن يقتنص حياته من يد مغتصبيها: "الغرباء الذين تتابعوا ها هنا، خفية/ وواقعوا نسوة في الدّبر،/ مضوا.../ مخلفين وراءهم روائحهم السامة/ وبقايا/ آهاتٍ/ مقفاةٍ/ بقهقهات الشياطين".حين يتربّى الشعر على الحكايات، ويحتل السرد أعمدة بنائه، تصبح السيرة جزءاً من نسيج القصيدة، ويكون للراوي رائحة، ينجذب إليها الشارد، ويستريح إلى ظله المتعب. ذلك ما يوظفه علي منصور في مجموعته، حين يدعو القارىء للجلوس إلى راويه: "مساء جمعة من شتاء،/ - أمام بيتنا القديم -/ أشعل أبي النار في الخشب./ فالتففنا.../ على المصطبة.../ في اتجاه اللهب./ تماماً.../ كأسلافنا القدماء/ في لوحة/ على جدران مقبرة". ويكتمل المشهد بـ"شيخ القراءات السبع"، الذي تمنى الشاعر أن يكونه، أو أن يكون له صوته، لما تركه من أثر عميق في وجدانه، وبات يراه أينما حَلّ.وإمعاناً في الزهد يبحر في الأبجدية، التي تبدأ بالألف وتنتهي بالياء، ليعود إلى مبتغاه، ويجرد الحروف من تضليلها للقارىء: "كم هو زائف، انتصاب تلك الألف!/ كم هو شكلي،/ وكله خداع!/ انظروا.../ وأنظر يا علي.../ إنه ينتصب على شيء دنيء!/ شيء متاع".الجزء الأخير من المجموعة، "حَبّ ونوَى"، يخصه الشاعر بمجموعة من القصائد القصيرة، المكتنزة المعنى، والتي تعطي مدلولها مباشرة، بوهج شاعري دافق، مغلفة بنوع من حكمة الشيخ، التي خبرها من حياته الأولى في بداية المجموعة الشعرية، مستعيداً صوت الراوي، وهو يجلس تحت شجرة المعرفة، يعلّم الناس، ويبث في أرواحهم ملامح الجَمال: "يمكنك أن تصبح جميلا، فوق ما تتصور/ فقط/ اعتن بقلبك/ ودعه يحب الآخرين"، وإن لم يكن في مقدوره أن يجتاز ويسمو، على الأقل يمكنه الإنصات إلى نفسه: "لا تكن حجر عثرة/ في طريق/ كن قنطرة، بين ضفتين"."الشيخ" علي منصور يعكف في معمله الصيدلي، على نباتات الشعر، وأشجاره، يحلّلها، ويجرب أن يستدل من النواة المتناهية الصغر، على حياة الغابة بأكملها، يستقي من تفاعلاتها خلاصة التجربة الشعرية، يبثها في قصائده بزخم إنساني فياض، ليؤكد إخلاصه لقصيدة النثر، في ثماني مجموعات شعرية، بدأها بـ"الفقراء ينهزمون في تجربة العشق" عام 1990، واستمر في بناء مشروعه الشعري بصمت، وشغف لتجريد اللغة من زوائدها، وإستخلاص روح الشعر، مستفيداً من روح العصر، من دون أن يتخلى عن تراثه العربي، وهو ما يستحق عليه إلتفاتاً نقدياً منصِفاً
..

محمد العشري

//

(الشيخ) في جريدة الأخبار اللبنانية

علي منصور

أنهاج السياق الشعري عند علي منصور

علي منصور ، شعرية الخفة التي تحتمل .