الاثنين، 9 نوفمبر، 2015

قراءة الدكتور صلاح فضل لديوان ( الشيخ )

http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/SLogoHow.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Fron.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Egyp.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Arab.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Worl.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Repo.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Inve.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Opin.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Econ.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Spor.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Arts.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Womn.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Writ.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Amod.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/File.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/ait_butn.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/EducBut.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/FaceBut.gif  http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/cart.gif http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/post.gif

http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/links.jpg

http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/Pub.jpg

http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/advh.jpg

http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/mail01.gif
الكتاب
43365
‏السنة 129-العدد
2005
اغسطس
29
‏24 من رجب 1426 هـ
الأثنين
علي منصور يتوهج شعرا
بقلم‏:‏ د‏.‏ صلاح فضل
http://yyy.ahram.org.eg/archive/2005/8/29/SsalahFadl.jpg
علي منصور شاعر من حقبة التسعينيات‏,‏ ربما كان أنضج أصواتها العميقة‏,‏ درس علوم الصيدلة وحصل فيها علي درجة الماجستير‏,‏ ونشر أول ديوان له بعنوان لافت الفقراء ينهزمون في تجربة العشق عام‏1990,‏ ثم توالت أعماله بانتظام مدهش‏,‏ مجموعة شعرية كل عامين تقريبا‏,‏ حتي أصدر مؤخرا ديوانه الثامن بعنوان رزين هو الشيخ‏,‏ فكأنه قد شارف سن الحكمة في الأربعين‏,‏ وسرت إليه أحزانها الوضيئة‏,‏ ومباهجها العاقلة‏.‏ لكن شعورا مأساويا بالحياة‏,‏ ونبرة صوفية تبطنه بشجوها اللاهب‏,‏ يؤطر قصائد هذه المجموعة‏,‏ ويصهر كلماتها بوجده وتوهجه‏,‏ مما يجعلها من أصفي وأجمل مايمكن أن يطالعنا من شعر هذا الجيل‏,‏ ويرد لنا الثقة في مصير شعريته ومستقبل ابداعه‏.‏

والغريب في الأمر أنه يبلغ بنا هذه الدرجة من التفاؤل المشرق وهو ينعي نفسه‏,‏ ويسجل أقسي صور الاغتراب الموحش في إهدائه لديوانه‏:‏

إلي نبتة برية‏,‏ قرب مثواي الأخير

فكأنه يزرع بها بستانا من الشعر الحقيقي ويرويه بدم قلبه وفنه‏,‏ وكأن الشعر يجد منبته الخصب علي حافة الموت وفي رحاب المقدس‏,‏ فهو يغبط الجنايني‏,‏ عندما يقول له في واحدة من حباته الأخيرة‏:‏ أنت أيضا‏/‏ جنايني‏/‏ كل صباح‏/‏ ترش قلبك‏/‏ بالقرآن الكريم‏.‏ ولست أعرف تجربة علي منصور الشخصية في الصحة والمرض‏,‏ ولكن بوسعي ــ مثل غيري من القراء‏,‏ أن أدرك تجربته الروحية وخبرته الحميمة بعناصر الكون وقدرته اللافتة علي تشعيرها في قصائده‏.‏

ومع أنه يسخر في إحدي قصائده الطريفة من النقاد وهم يتحدثون عن شعرنة التفاصيل والفانتازيا‏,‏ فإنني أجد في القصيدة التي يستهل بها ديوانه أنشودة عذبة للطبيعة‏,‏ تذكرني بالشاعر اللاتيني العظيم بابلو نيرودا في أغانيه الفطرية التي يخاطب فيها الماء والهواء وعناصر الأرض‏.‏ أما علي منصور فهو يتحدث عن النبات ــ مادته الأثيرة في الدرس والتأمل ــ ويأمرنا بالصمت في عنوانها صه ليقول عنها‏:‏

النباتات‏,‏ ياصاحبي‏/‏ النباتات

تهرب الحكمة من لغونا

وتلوذ بصمت النباتات

حتي إذا ما هرمنا‏,‏

وصرنا شيوخا صامتين

عادت أدراجها‏,‏ وتوسدت تجاعيدنا‏!‏

وربما أطلت من عيوننا‏/‏ وابتسمت‏..‏

لحماقات اليافعين‏.‏

والجميل في عالم الإبداع أنك لاتعرف أبدا من أين ينبثق الشعر‏,‏ وكيف يتخلق‏,‏ فهو جدير بأن يطل عليك من مقلة صبي أو بسمة حسناء‏,‏ مثلما يطل عليك كما نري هنا من تجاعيد شيخ أو نبتة برية في الفلاة‏,‏ لكنه دائما يرتبط بروح الكون ليبث فيها شعورا إنسانيا دافئا بعناصرها الباقية‏,‏ ولمحة ذكية خاطفة لأسرارها الكامنة‏.‏ شاعرنا يعرف كيف يقرأ الصمت‏,‏ ويشهد تحولاته من النبات إلي الإنسان‏,‏ كيف يلوذ بالحكمة ويبتسم في أسي وإشفاق من حماقاته يافعا‏,‏ كي ينتشلنا من موكب الغافلين عن جوهر الوجود‏.‏

قالت زهرة‏:‏

يستقطر علي منصور من عناصر الطبيعة‏,‏ بحكم صنعته عطرها الفواح‏,‏ ينطقها بما يريد من بلاغة الحياة‏,‏ وهذا شأن الشعراء الحقيقيين في كل الثقافات‏,‏ لكنه يعرف كيف يقوم بتوزيع الأدوار‏,‏ وهندسة الأقوال‏,‏ وتشكيل المواقف بطريقة تضبط إيقاع الخطاب الشعري‏,‏ كي يخرج بمركب صيدلاني محسوب النسب ومضمون المذاق والفعالية‏,‏ فهو يقول مثلا في إحدي طبيعياته الرائقة‏:‏

قالت صخرة في البرية‏:‏

أيها العابر‏/‏ انتبه قبل أن تموت‏!‏

أيها الخائر في الليل‏/‏ واللاهث في النهار

هلا وضعت رأسك مرة‏/‏ في حجري

وسمعت تسبيح الملكوت‏!!‏

‏......‏

قالت شجرة في الغابة‏:‏

تشهد ياجذعي‏/‏ قددنا نصلهم

أولئك الذين‏,‏ حتي الأمس

كنت متكئا‏../‏ لظهورهم

‏..‏

قالت زهرة ياسمين‏/‏ أعلي السور‏,‏

فوحي يا أختاه‏!!/‏ فوحي

حتي يهتف العابر الجميل‏:‏

الله‏!!.‏

ومع أن هذا الشعر تفوح منه رائحة الحكمة المشرقية في كلمات جلال الدين الرومي وسعدي غير أنه من المواقع المطروقة التي يتوارد عليها المبدعون‏,‏ وما يعنينا منه هو هذا التوزيع الهارموني للعناصر الثلاثة‏:‏ صخرة وشجرة وزهرة‏,‏ تتدرج من الصلابة المطلقة إلي الهشاشة التامة‏,‏ لكن كلا منها يمتلك خبرته في مواقف متعددة ودلالات مختلفة‏,‏ تتصاعد في علاقتها بسر الكون‏,‏ ونقدها لسلوك البشر وتسامحها معهم حتي تصل إلي ذروة التفاني وتدرك حلاوة التضوع وقدسية الإعجاب بالجمال‏.‏

الغريب في سر هذه التركيبة الشعرية أن عنصر الإيقاع جوهري فيها‏,‏ سواء كان يسبح علي سطح النص من كسر التفاعيل والأوزان‏,‏ أم يتواري بتياراته المكنونة في الأعماق‏,‏ ومع أن إشباعه قد اعتمد طيلة آماد زمنية بعيدة علي منظومات الأوزان العروضية الملموسة والمقيسة كميا فإن تتابع التجارب الجديدة عبر ثورات الشعر المتتالية قد وضع قدرات الشعراء علي تحقيق التناغم الهارموني في الشعر مع غيبة الأوزان المطردة موضع الاختبار‏,‏ فاستطاعت كوكبة من كبار شعراء قصيدة النثر‏,‏ وشبابهم‏,‏ أن تجعلنا نتساءل عقب قراءة كل نص‏:‏ ما الذي ينقصه بالفعل من روح الموسيقي وعناصر الشعرية الفعالة وقد استطاع تعويض غياب هياكل النظم التقليدية وتوليد أضعافها من لذة جمالية خالصة‏,‏ لكن علينا أن نستمر في الكشف عن آليات هذا التوليد‏,‏ وأحسب أن كثيرا من نصوص علي منصور ومنها هذه القصيدة ذات الروح المشرقية الحكمية تحقق درجة عالية من التناغم المفعم بنشوة الموسيقي وبهجة الصورة في الآن ذاته‏.‏

الرجل الحزين‏:‏

قبل أن يلهج النقد الثقافي بالبحث عن منظومة القيم في الإبداع كان كبار النقاد يدركون دائما دور الشعر في بلورة الوعي وتشكيل الضمير المجتمعي عبر صناعة الرموز واستقطاب الضوء في بؤرة مشعة‏,‏ وأحسب أن البحث عن جماليات الحرية الذي ألح علي في السنوات الأخيرة ظل يفتقد عنصرا محددا ومهما لم أتبين كيف يتسني للشعراء علي وجه الخصوص أن يتمثلوه ويبشروا به‏,‏ وهو أن هذه الحرية ــ في تجليها السياسي ــ تتمثل في الديموقراطية‏,‏ لكن كيف يهبط الشعراء إلي غبار الشوارع وينشدون للديموقراطية؟ ظلت هذه المشكلة تؤرقني حتي قرأت قصيدة كأنها السياج في هذه المجموعة فكدت أهتف وجدتها‏,‏ يقول شاعرنا الجميل‏:‏

حزين جدا هذا الرجل‏/‏ أمام التلفاز

حزين‏../‏ وساكت

‏(‏كانوا يدلون بأصواتهم‏,‏ في الصناديق

وهو يتفرج عليهم‏)‏

ود لو جرب شعورا مثل هذا

قبل أن يموت‏!!‏

كأنها مزهريات‏,‏ هذه الصناديق

كأنها حدائق‏!‏

كأنها أراجيح أطفال‏/‏ يمرحون في الجوار
يتربي أبناؤنا علي عشق ال
كأنها عربات رضع‏/‏ تدفعها أمهات فرحات في الجوار

كأنها شمعة‏../‏ تعد المساء لصديقين يبوحان بأسرار

كأنها موسيقي حنون

تهدهد قلب شاعرة نرويجية

وهي في غمرة الكتابة‏.‏

كأنها سياج‏/‏ يحرس الوطن

الحقول‏/‏ والمصانع‏/‏ والجامعات

وخلايا النحل التي تطن حول الصناديق

كنت أفرح بالشعراء الذين يتغنون ويضيئون طريق التقدم‏,‏ لكن أحدا منهم لم يكن قد عثر علي رمز أو أيقونة مجسدة لهذه المنظومة القيمية الجديدة علي عالمنا وثقافتنا العربية‏,‏ حتي جاء هذا الشاب الناحل الحزين ليشير إليها في تلقائية مدهشة وعفوية بديعة‏.‏ إنها صناديق الاقتراع المطهرة‏,‏ يتمني مثلي تماما أن يجرب الشعور بها قبل أن يموت‏,‏ لقد وضعنا عصر الصورة في قلب المحنة‏,‏ وأطلعنا علي مشاهد النعيم الذي لم نجربه‏,‏ ولظي الجحيم الذي نصلي به‏,‏ وكان لابد للشعر أخيرا أن يعقد قرانه مع صور التلفاز ويسهم في بلورة ذبذبات القلوب واصطياد خطرات الضمائر‏.‏ ومع أن شاعرنا يعتمد علي تقنية عتيقة‏,‏ لاتزيد عن أداة تشبيه أولية‏:‏ كأن‏,‏ فقد استطاع أن يفتح بها رؤي للمستقبل بحدائقه وأطفاله‏,‏ ورعشات البهجة الموسيقية الحنون وهي تغمر قلب مبدعيه بالاطمئنان إلي مستقبله‏.‏ استطاع الشاعر أن يري في هذه الصناديق عسل السعي الجماعي السلمي النظيف لصناعة حلاوة المستقبل من كل الأزهار المتفتحة‏,‏ واستطاع أن يري فيها الحماية الحقيقية للوطن المنتج المتكافل مثل خلايا النحل‏.‏ هل يحق لي أن أقترح علي واضعي مناهج النصوص الأدبية أن يدرجوا هذه القصيدة في مقررات
الشعر حتي ديموقراطية‏.‏


http://yyy.ahram.org.eg/archive/Standard/EMPTY.GIF
موضوعات في نفس الباب
~LIST~


قراءة الدكتور : محمد السيد إسماعيل في ديوان ( الشيخ)

إحياء شعرية «اليقين» .. قراءة فى ديوان «الشيخ» لعلى منصور
20/10/2015 - 10:50:37
صورة أرشيفيةصورة أرشيفية
د. محمد السيد إسماعيل - كاتب مصرى
يتخلص الشاعر على منصور فى ديوانه «الشيخ» وفى أغلب دواوينه السابقة مما شاع فى القصيدة الحديثة من هيمنة شعرية «التساؤل» و«الشك» و«احتمالات» التعدد والنسبية التى تعد من أقانيم الحداثة الأساسية ، يتخلص من كل هذا لكى يدخل فيما أسميه بمرحلة «إحياء» لما شاع فى «المتن» الرئيسى للقصيدة العربية من شعرية «اليقين» على اختلاف نوعيات هذا اليقين ومستوياته فقد ظلت القصيدة العربية مرتبطة بمجموعة من المطلقات التى تبدلت من مرحلة إلى أخرى لكن جوهرها ظل ثاتباً يقينياً لايقبل الشك أو مجرد التساؤل بدءاً من مطلقات القبيلة العربية مروراً بمطلقات الدين الجديد ولعل قول الرسول لشاعره حسان بن ثابت «أهجهم وروح القدس معك» ممالة دلالة على صراع «اليقينيات» .

ثم توزع هذا «اليقين» الجامع إلى العديد من «اليقينيات» التى تمثلت فى الفرق الإسلامية المتصارعة مع بدايات العصر الأموى ورغم الدافع السياسى لهذه الفرق والذى تمثل فى الصراع حول «الخلافة» فقد نتج عنها مجموعة من القيم والمبادىء التى تعمقت مع العصر العباسى وأضيف إليها بعد آخر على مستوى الأجناس الكبرى المنضوية تحت الإسلام فما يعرف بظاهرة «الشعوبية».

كان هناك - إذن - «يقين» ينطلق منه الشاعر وإيمان بأن الشعر قادر على أداء «رسالة» ما حتى وإن لم تتجاوز المستوى الأخلاقى الذى يراه الشاعر مدخلاً لـ «بناء العلا» بما تحمله هذه الصفة من أبعاد حضارية «ولولا خلال سنها الشعر مادرى بناة العلا من أين تؤتى المكام». إن رجوع على منصور لهذا التصور وإيمانه بدور الشعر الأخلاقى والوعظى أحياناً يعد - فى تصورى - مغامرة محفوفة - دائماً - بالمخاطر التى قد تهدد شعرية القصيدة ، ولا أعنى بذلك أن الشعر غير ملتزم بشىء أو أنه فاعليه مجانية أو أنه أقرب إلى روح «الموسيقى» المتخلصة من الوظيفية فميا يرى «جان بول سارتر» الذى أعفى الشاعر من مبدأ «الالتزام» رغم دعوته الشهيرة إلى التزام غيره من الأدباء . فالحق أن قدرة الشعر على تغيير رؤية الإنسان لنفسه وللوجود تظل من السمات التى لا تتحقق شعرية القصيدة إلا بها .

«الاختيار» حق الشاعر ، فمن حقه أن يرى أن الشعر «بابه الشر فإن دخله الخيرلان وضعف» كما كان يقول الأصمعى ومن حقه أن يرى أن الشعر بابه الخير والفضيلة والممارسات الحياتية التى تؤكد قيم التواصل الإنسانى .

غير أننى لا أنظر للشعر على هذا النحو لأن مايعنينى منه هو «التشكيل» أولاً وآخراً لأنه مناط «الشعرية» وغايتها ولأنه قد يوحى - وهذا هو الأهم - بدلالات تتجاوز «قصدية» الشاعر ودووافعه الأولى .

تتحرك شعرية هذا الديوان داخل مدارات ثلاثة تتبدى منذ القصيدة الأولى ، وهى : الإنسان والطبيعية والزمن ، فإذا كان «الإنسان» ذا طبيعة متبدلة تتحرك بين «النقائض» فإن «الطبيعة» تظل مصدر الخير والحكمة والانضواء تحت مشيئة أعلى يرتهن وجودها بها ، بينما يظل الزمن على علاقة تناقض مع «الجسد» بينما يؤكد حكمة «الروح» ويقينها ، ولنتأمل هذه القصيدة (صه) : «النباتات يا صاحبى / النباتات !! / تهرب الحكمة من لغونا / وتلوذ بصمت النباتا !! / حتى إذا ماهرمنا / وصرنا شيوخاً .. صامتين / عادت أدراجها وتوسدت تجاعيدنا !! / وربما أطلت من عيوننا / وابتسمت لحماقات اليافعين» («الشيخ» على منصور ص9 دار شرقيات ط أولى 2005) والملاحظ أن الزمن هو الذى يدفع الإنسان إلى التماهى مع الطبيعة ومحاولات «التوحد» معها حتى يصبح - بفعل الموت الجسدى - جزءاً منها ويضع الشاعر مقابلة بين «اللغو» و«الحكمة» ، كما يصنع درجة من التماثل أو الارتباط الشرطى بين «الصمت» و«الحكمة» التى تهرب من اللغو وتلو بصمت النباتات أو صمت الشيوخ ، فهل كان عنوان القصيدة (صه) زجراً لهذا اللغو وامتداحاً لـ «الصمت» ؟ هذا ما توحى به القصيدة وهو مايتجاوب مع ما أثر عن امتداح «الصمت» فى التراث العربى وما صرح به صلاح عبدالصبور فى إحدى قصائدة حين رجا من رفيقه أن يلتزم «الصمت» لأننا لو استسلمنا لغواية «الكلام / اللغو» لرأينا الدنيا مخلوقاً بشعاً واستعذينا «الموت» ، على أن القصيدة - فى تصورى - تعد إرهاصاً لتيمة أخرى سوف تظل فاعلة على مدار الديوان وهى تيمة «وحدة الوجود» واستشرافه أو تشوفه لما يلم شتاته أو تفرقه من صوت «إلهى» جامع ، هذا «الوجود» الذى يجمع الزمنى : «اطمأنت الظهيرة» ، والطبيعى «وابتهجت هاهنا أشجار توت ورمان» ، وإنسانى : «تحلقت الملائكة غلاماً ، يا للغلام !! الغلام ذو البشاشة / الغلام ذو الصوت المبلل بالنعمة والرضوان» (من قصيدة «فى تقديم التلاوة» ص11) .

ولاشك أن هذه التيمة (وحدة الوجود) قد ساعدت على شيوع بعض الظواهر البالغية من قبيل تراسل الحواس وبناء الصور الاستعارية من قبيل وصف الصوت بأنه مبلل بالنعمة والرضوان ، وأنسنة الكائنات على سبيل الحقيقة لا المجاز مثل قوله «الشوارع كلها مكفهرة / والزحام خانق !! / سوى أنه ما من شجرة واحدة / قد قطبت الجبين» (ص15) (أنصت ، لسورة الحديد ، يا بنى) / وربت ثانية على كتفى / ثم ابتسم للشجرة / الشجرة التى تقرأ / برواية ورش عن نافع» (ص26) إن على منصور لايقدم «مجازاً» بل يقدم حقيقة تتماثل مع ما صرح به كتاب الله حين أكد أن كل شىء يسبح لله «وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم» ، وعلى هذا المستوى يمكن أن نتعامل مع قصيدة »أحببن صوته ، مثلك ، يا آمنة» التى تصور ثلاث زهرات جاردينيا تهمس لربة المنزل ألا تغلق المذياع حتى يكملن ترتيل سورة مريم مع الشيخ «محمد صديق المنشاوى !!» .

إن ما سبق يمثل - عند الشاعر - الواقع الحقيقى أو حقيقة الوجود وإن كانت تفوق قدرتنا على الإدراك ، فى حين يبدو الواقع فى صورة أقرب إلى الفانتازيا ولنتأمل القصيدة التى تحمل هذا العنوان (فازنتازيا) : «الشاعر المسكين / الشاعر الذى تحدث فى قصيدته / عن جنيه ينزف دماً / فوق مانشيت (الانتعاش الاقتصادى) عن فتاة فجرت خصرها عن حاجز/ وأخرى تفجر خصرها فى الأغانى !! / عن المحمومين بالسؤال : أفائدة البنوك حرام أم حلال ؟! / بينما اللصوص يعبرون فى هدوء / بأموال المحمومين !!» (ص39) هذه التناقضات الحادة بين الحقيقة والوهم وبين واقع المقاومة وواقع الفساد هى التى تصنع صورة الفانتازيا المؤلمة .

نحن إذن أمام عالمين : عالم ظاهر دنيوى ملىء بالتناقضات والفساد ، وعالم خفى عميق مشمول بالإرادة الإلهية : «قالت صخرة فى البرية : أيها العابر ، انتبه قبل أن تموت / أيها الخائر فى الليل / واللاهث فى النهار / هلا وضعت رأسك مرة فى حجرى / وسمعت تسبيح الملكوت» (ص17) . وربما كان انقسام الوجود على هذا النحو مما يفسر توظيف الشاعر لظاهرة الحلم بوصفها نافذة للاتصال بعالم الغيب وهذا ما نجده - مثلاً - فى آخر قصيدة «المنور بيقينه» حيث «حلقت طيور / وانبعثت موسيقى مطمئنة / لتفتح شرفة رحبة / تطل على ملكوت باذخ .. لشهيد) (ص24) وكما يتبدى الحنين إلى عالم الملكوت المفارق للحياة الدنيا فإنه يتبدى - كذلك - إلى صورة الأب الغائب الذى يجد صعوبة فى استدعائه : «وإذ فشلت فى استعادة وجهك وجهك البعيد - يا أبى - بكيت ثانية / وتبللت ، من جديد ، وجنتاى بالدموع» (31) .

هذه التيمات الموضوعية تستدعى بالضرورة تقنيات فنية مغايرة وقد ظهر ذلك فى توظيف مايمكن أن نسميه بأسلوب الحجاج الذى يقوم على نأمل اللغة وما يستتبع هذا من استنتاجات منطقية حين نقرأ مثلاً : «الكلمات أيضاً ، قد تضل طريقها إلى المعنى يا أصدقاء / فاليسوعيون - مثلاً - أتباع يسوع / فكيف يكون «اللواطيون» إذن الذين لم يتبعوا لوطاً» (ص27) . كما نجد - فى قصائد أخرى - توظيف الشاعر لأسلوب الحكمة بإيجازها وتكثيفها للمعنى يقول فى «ذات مرة ، حدث نفسه» : «كما يبدو فى بعض القصائد مايسمى بأسلوب التعديد المعتمد على تواتر الإيقاع والتكرار (انظر قصيدة «شيخ القراءات السبع» ص55) . وفى قصيدة «همهمة تماثيل مصرية» نجد تضميناً خفياً لقصة «يوسف»: «ثمة من تربص بالضمير، ضمير إمنحوبى ، واستدرجه لبئر سحيقة / متى يارب تأتى سيارة / ويرسلون واردهم» (ص41) ويعتمد الشاعر - كذلك - على مايمكن أن نسميه بـ «تحديد الصورة» عن طريق التكرار والتفصيل كما يبدو فى هذا النموذج : «أما نحن / فصخب ولقط / منحب مزر / ولغط رث / ولا شىء آخر / فقط .. صخب ببعث على اشمئزاز / ولغط يثير رثاء» (ص37) .

وفى قصيدة «كأنها سياج» تتحول قيمة «الحرية» - وهى معطى معنوى - إلى ممارسات حياتية من خلال توظيف نمط الصورة المشهدية حيث تتحول «صناديق» الاقتراع إلى مزهريات وحدائق وأراجيح أطفال وعربات رضع تدفعها أمهات فرحات فى الطرقات (ص43) . وبالفعل فإن الحرية لاتبدو إلا فى ممارستها لأنها - أولاً وآخراً - فعل حياة وليست مجرد شعارات تفتقد مصداقيتها .



·         http://www.daralhilal.com.eg/images/print.gifطباعة
·         http://www.daralhilal.com.eg/images/email.gifأرسل لصديق
·         http://www.daralhilal.com.eg/images/star.gifأضف للمفضلة
آخر الأخبار
حقوق النشر محفوظة للمؤسسة دار الهلال 2014
Website Designed and Developed by http://www.daralhilal.com.eg/images/copyright.gif