الثلاثاء، 25 سبتمبر، 2012

ورقة مطوية من بقايا ألبوم قديم


إستيقظ ، أيها المحراث

 

 

تذخر الأعماق البعيدة  بالأصوات. أصوات بشر وطيور وحيوانات وكائنات أخرى كثيرة. لا شىء يضيع هنا ، في البئر، سوى أن بعض الأصوات تنام وبعضها يصحو لأسباب لا يفهمها. هاجس إختفاء القرية – حين يلم به – يحدث في البئر دوامات عنيفة، كأنها نوات موسمية ، فتستيقظ أصوات من سباتها وتسري في البدن رعدات خفيفة متتابعة. هسيس ونقيق وخوار وحفيف.  صياح وهديل وعسعسة ونباح. ثغاء وولولة  ونقنقة ونعيق. خرير ومواء وصمت وشخير. ديكة وأبقار ونعاج وضفادع. غربان ومواليد. إدبار نهار وإقبال ليل. عفاريت وجان ومضاجعات. حنق وتربص وإضمار شر. شياطين صغار ومردة. تسابيح وصلوات وخطو وئيد في العتمة. نبض البرية أم دقات الساعة. الأجرام تجري ولا تلهث. تحويمات النحل على عناقيد العنب وحى مستمر. ذيل الحمارة لا يتعب من مطاردة الذباب. مغمض العينين يلقم ضرع أمه وهى تنقل قدميها في السبخ. شخبة اللبن في الإناء من بين فرث ودم. كشفرة الموسى تترك حواف أوراق عيدان الذرة أثارها في الظهيرة على الرقبة. صهد الظهيرة واقف عند أبواب ظلال شجرة الجميزة العجوز. زبد الماء المتدفق من فوهة ( البدالة ) على الركبتين العاريتين يقص على الحصى في القاع حياة التعب. أبي يصحبني ( للميضة ) حيث وضوء المغرب. جدتي ( زُهرة ) تخض اللبن وأنا والجرو ننظر إليها. جدي يرسل أخي للجيران بكيزان الذرة الخضراء مع ( من عم إمام ). خالي سيد (توأم صوت الشبخ عبد الباسط ) يجود علينا ب ( الحاقة ) بعد إلحاح  طويل . تكعيبة العنب همست له مع جدتي   ( زُهرة ) :  خلاص بقى ياسيد ، ما تكسفهومش !!  جمل وكلب وحمارة شكلتهم أصابعنا من الطين وتركناهم هناك تحت وطأة الشمس. آه يا أصابع الصبى التي كانت ( تنغبش ) في الجدار وتشد قشة ( التبن ) من الطوب اللبن. لست وحدى الآن أمسح الدمعة التي ترجو: لا تضيعي أيتها القرية !!  المحراث أيضا – هناك في الركن – يجتر ذكرياته مع أسراب أبي قردان.

 

 

 

علي منصور

ليست هناك تعليقات: