الأربعاء، 12 فبراير، 2014

حوار للشاعر مع جريدة الثورة اليمنية



قال إن الزمن استبدل "الشاعر المهم بـالظاهرة الشعرية:
الشاعر المصري /علي منصور: أزمة المشهد العربي سببها التخلف وغياب الحرية وسطوة النقد المنافق
إن الذين لا يكفون عن (الغناء) للحرية في قصائدهم العمودية والتفعيلية هم الذين يتربصون لقصيدة النثر!
"الخميس, 29-ديسمبر-2005" - القاهرة/ سمير درويش
علي منصور واحد من أهم شعراء "قصيدة النثر" في مصر.. إذا أزحنا الإرهاصات البدائية في السبعينيات وقصائد جماعة شعر التي تنتمي إلى قصيدة التفعيلة وإن تخلت عن الوزن الخليلي، ليس ـ فقط ـ لأنه من أوائل الذين اتجهوا إليها مع بداية التسعينيات من القرن الماضي، ولا للاحتفاء النقدي الذي يقابل كل مجموعة شعرية جديدة يصدرها، ولا لأنه الأغزر إنتاجاً بين أقرانه.. ولكن ـ بالإضافة إلى كل ذلك ـ لأنه يمتلك صوتاً خاصاً، رائقاً، يحمله معه عبر دواوينه المتعاقبة، ويمتلك ـ كذلك ـ تجربة فريدة مكنته من التقاط الشعري من ما يبدو غير شعري، فأصبحت قصائده، أو بعضها على أقل تقدير، ممثلة لتجربة النثر ولجمالياتها العصية ـ حتى الآن ـ على التنميط.
ولد في نهاية عام 1956 بإحدى محافظات الدلتا شمال القاهرة، وتخرج من كلية الصيدلة، جامعة القاهرة، وحصل على درجة الماجستير في العلوم الصيدلية. صدر له ثمان مجموعات شعرية هي: "الفقراء ينهزمون في تجربة العشق" 1990، "وردة الكيمياء الجميلة" 1993، "على بعد خطوة" 1992، "ثمة موسيقى تنزل السلالم" 1995، "عصافير خضراء قرب بحيرة صافية" 1998، "عشر نجمات لمساء وحيد" 2002، "خيال مراهق، وقصائد أخرى " 2003، و"الشيخ" 2005م.
التقيته وكان هذا الحوار:
> بالرغم من بداياتك التفعيلية، فإنك اتجهت إلى قصيدة النثر، ما الذي دفعك إلى هذا الاختيار، وهل تعتقد أنها وريث الشعر العربي أم أنها مجرد صورة من صوره؟
- نعم، لقد كتبت ثلاث مجموعات تنتمي كلها إلى ما يسمى بقصيدة التفعيلة ، وذلك قبل أن أتحول إلى كتابة قصيدة النثر عبر مجموعتي الشعرية "على بعد خطوة" ولم يحدث هذا التحول عن عمد أو تخطيط مسبق، حتى إنك لتجد القصيدتين الأوليين، أو ربما الثلاث قصائد الأولى في هذه المجموعة، تجدها قصائد تفعيلة بينما باقي القصائد نثرية، وهذه المجموعة تحديدا "على بعد خطوة" تكشف وتعري حالتي النفسية والفكرية حال تحولي نحو قصيدة النثر. كنت في حالة من الإعياء النفسي والشعور بالصدمة جراء الصحو على حقيقة مرة تماماً كحال المثقف حين صحا على خبر هزيمة يونيو 67 ولم يكن السبب في ذلك هو الغزو العراقي للكويت فقط، وقد عايشت ذلك الفعل ـ الذي لم يستسغه عقل ولا منطق ـ عن قرب، وإنما، أيضا، ما تلى ذلك من انقسام عربي وصل حد الفتنة التي أودت بكل مقدرات الأمة العربية وأوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن.
أن يحدث ذلك بعد آلاف القصائد التي كانت تهدر كل عام في المربد، ببلاغتها ورصانتها ودويها، عن الأمة العربية الواحدة، والمصير العربي الواحد، وأن يحدث ذلك بين أشقاء الوطن والدين واللغة وأيضا العدو!! فأي خيانة، وأي خديعة وأي كارثة مهدت لها تلك القصائد إذن!! وأي كذب بليغ كانت تمارسه على المشاعر والعقول! لم يكن أمام المرء إزاء الصدمة مما وقع، والدهشة من دفاع البعض عن الضلال ومساندة الباطل، لم يكن أمام المرء سوى ازدراء كل أضلاع الجريمة، بدءأً من الفاعل والفعل وانتهاء بالأدوات المساعدة! ولم يكن أمام المرء سوى التوقف عن الكتابة نهائيا، لكن كيف ذلك والكتابة أصلاً تكون الملاذ الأخير في مثل هذه الحالات من القنوط والإحباط!
بدأت أتحسس روحي المتداعية وأحاول أن أسري عنها بكتابة تخلت طواعية وربما دون وعي عن ميراثها القديم، وفرت مثل بنت تهرب من عائلة كاذبة لتؤسس لنفسها عائلة أخرى، أول ما تتسم به هو صدقها مع نفسها. وأنا أتصور أن هذا التحول كان سوف يحدث سواء غزا العراق الكويت أم لم يغزه، فما حدث لم يكن سوى القشة التي قصمت ظهر البعير المتهالك، ولم تكن سوى عود الثقاب الذي بدد كذب الرطانات المتراكمة على العيون والعقول.
ثم ماذا كان البديل؟ أَوَ كُنَّا نواصل القصائد إياها بعد انهيار كل ما كانت معنية به، تماماً كما تفعل جامعة الدول العربية الآن وتصر على عقد دوراتها العادية والاستثنائية دون جدوى؟ أم كنا نواصل القصائد إياها لنعبر بها عما لم تخلق من أجله؟!
قلت في نفسي، وأنا أكتب "على بعد خطوة"، و"ثمة موسيقى تنزل السلالم"، لا يهم أن يكون ما أكتبه هو الشعر، لم أعد أطمح لأن أكون شاعراً! أطمح فقط في أن أسرِّي عن روحي، بكتابة صادقة. ولهذا السبب فأنا لست معنيا بالمرة بكون قصيدة النثر هي وريث الشعر العربي أم لا. لقد قلت ذات مرة إن قصيدة التفعيلة ليست إلا مرحلة انتقالية بين قصيدة العمود وقصيدة النثر، واليوم أتساءل: ما الضرر الذي أصاب قصيدة العمود من نشأة قصيدة التفعيلة؟ ألم تزل هي صاحبة الصولجان حينما تغنى. وما الضرر الذي يمكن أن تلحقه قصيدة النثر بقصيدة التفعيلة؟ أين الحرية إذن؟ انظر: إن الذين لا يكفون عن (الغناء) للحرية في قصائدهم العمودية والتفعيلية هم الذين يتربصون بليل لقصيدة النثر! وعلى أية حال فأنا فرحان لكون الشعراء الجدد أكثر رحابة من آبائهم.
رطانة وطراز رفيع

> أنت تنتمي إلى جيل لا يتم التوقف أمام شعرائه أو إنتاجه الشعري لدرجة أن شاعراً كبيراً قال إن العشرين سنة الأخيرة لم تنتج شاعرا مُهماً.. هل هذا صحيح؟ ولماذا هذا التجاهل؟
- لا أظن أن هذا حكماً موضوعياً من قريب أو بعيد. ثم ما هي مواصفات الشاعر "المهم" في نظره؟ ما هي المعايير التي اعتمد عليها في إصدار حكمه هذا؟ لماذا لا نفكر بأن الزمن قد استبدل "الشاعر المهم" بـ"الظاهرة الشعرية المهمة"؟ ومع هذا، فإن المرء ليخجل من أن يحسب نفسه شاعراً (مهماً)، أو أن يفكر في ذلك، أو أن يكون هذا وهمه! بينما أمته قد وصلت درجة غير مسبوقة من الهوان.
> هل تعتقد أن قصيدة النثر قد بدأت في التشكل بحيث يمكن إخضاعها لمعايير ثابتة عند التعرض النقدي لها، أم أنها بطبيعتها ضد التنميط؟
- أنت تعلم أن الشعر العربي كان أسبق من الخليل بن أحمد، وأسبق من كل النظريات النقدية، الظاهرة دائما تسبق النظرية. وقد تخلت قصيدة النثر عن ركيزتين أساسيتين في الشعر العربي، الوزن والقافية، فهي بهذا أصبحت ظاهرة مختلفة تستلزم نظرية نقدية مختلفة تكون بمثابة "عيار قصيدة النثر" وهذا لم يتحقق حتى الآن، وإن كان ثمة ملاحظات نقدية مهمة تجدها متفرقة في قراءات عديدة لكثير من النصوص التي تندرج تحت مسمى قصيدة النثر، إلا أن المعيار لا يزال بعيد المنال.
شاكر لعيبي ـ مثلا ـ يسلم بأن قصيدة النثر هي نوع شعري مخادع وصعب، فهي ـ كما يقول ـ على يد كثير من الشعراء من ممارسي الكتابة الشعرية رطانة صريحة وهي نفسها على يد شعراء متمكنين من أدواتهم الاستعارية والبلاغية نص من طراز رفيع. ولكنه لا يجيب على السؤال المهم، لماذا هي رطانة هنا، وطراز رفيع هناك؟
لو أن ناقداً حذقاً جمع كل نص صادفه وفتن به، ثم توقف ملياً أمامه ووضع يده على سر فتنته به، ثم جمع كل الأسرار المشتركة بين النصوص الفاتنة، لربما خرج علينا بمقدمة حقيقية لنظرية نقدية مواكبة لقصيدة النثر. بل يمكنه أيضا التأكد من مصداقية نظريته (validation of the theory) بتطبيقها على النصوص (الرطانات) ويتثبت من غياب أسرار الفتنة التي وقف عليها عن تلك النصوص!
من العابر إلى الفانتازي

> في السنوات الأخيرة اتجهت إلي ما يمكن تسميته "الشعر الديني"، وإن احتفظت بشكل قصيدة النثر ومفهومها، وقد ظهر ذلك في ديوانين أخيرين لك، ما هو السبب وراء هذا التغير؟ وكيف تستطيع المواءمة بين هذا المضمون وذاك الشكل؟
- تسمية "الشعر الديني" تعود بنا للوراء كثيراً، لعهود "أغراض الشعر"، فهذا شعر الرثاء، وذاك شعر الهجاء، وتلك قصيدة الغزل، وهذه قصيدة الزهد، إلى آخره.. وأظنك توافقني على أن قصيدة النثر لم تعد تخضع لهذه التقسيمات، التقسيمات التي لم تعد تصلح لوصف أو تصنيف النص الجديد، المركب بطبيعته، لهذا فأنا أتحفظ على مصطلح "الشعر الديني".
أنا أكتب قصيدة نثر، وأعرج بها على ما أشاء من مناطق، بدءأً بما هو عابر، مروراً بما هو فانتازي، ووصولا لما هو كوني، متكئأً على ما أشاء من مرجعيات وفلسفات وقناعات، وموظفاً كل ما أحب من أجل خلق النص الذي أرتضيه. وأنت تعلم الهواجس التي تنتابنا دائما خشية الوقوع في فخ التكرار أو إعادة إنتاج النص تحت مسميات مختلفة، الأمر الذي يأخذ بخناق قصيدة النثر نحو النمطية والتكلس بينما هي ابنة التحرر من القيود. إن ما فعلته ـ وليس من سبب وراء ما فعلت سوى أنني أحب الذي فعلت ـ أظن أنه يسهم في القضاء على تلك الهواجس.
وأما عن كيفية المواءمة بين هذا المضمون "الديني" و"قصيدة النثر"، فأقول ألم يكن الحب ـ مثلا ـ هو مضمون آلاف القصائد العمودية والتفعيلية وقد واءمنا بينه وبين قصيدة النثر؟ ليس العجيب أن تلج قصيدة النثر مثل هذه المناطق، لكن العجيب هو أن نرى تناقضاً في ما بينهما.
> منذ سنوات وأنت تعتزل الحياة الأدبية، فلا تتواجد في أماكن تجمع الأدباء ولا تدخل في جدلهم حول الموضوعات العامة أو الخاصة بالشعر. هل هناك دافع وراء هذا الغياب؟
- الدافع الحقيقي وراء هذا الغياب هو ضيق الوقت، فأنا أقضي ثمان ساعات يومياً في عملي المهني كباحث صيدلاني، وأخصص يوميْ الإجازة الأسبوعية عادة للقراءة، أما الكتابة فتأتي دائما في زحمة الانشغال، وفي الليل. وعملي هو مورد رزقي الذي أنفق منه على أسرتي وعلى الشعر أيضا، أشتري الكتب، وأصدر المجموعات، لقد أصدرت ست مجموعات شعرية ـ من بين ثمان مجموعات ـ على نفقتي الخاصة، ثم أنت تعلم كم هو منفر المناخ السائد في أغلب تلك الأماكن، وتعلم ما يدور في هذه التجمعات! لم يعد لدينا فائض وقت لنهدره، ولا مزيد من أعصاب لنحرقها في ما لا يجدي!
سطوة النقد المنافق

> كيف ترى المشهد المصري والعربي الآن.. هل هو مأزوم كما يقول النقاد؟ وكيف يمكن تقييم إنجاز الجيل الذي تنتمي إليه؟ وما هي الإضافة التي أضفتها للشعر العربي بعد كل هذه الدواوين التي أصدرتها؟
- النقاد يطلقون أحكاماً عامة ودون أية حيثيات!، لنفترض أن المشهد الشعري مأزوم، أليس المشهد العسكري مأزوم أيضا؟ والمشهد الاقتصادي والاجتماعي والعلمي؟ أليست الأمة كلها في مأزق تاريخي؟! إن إغفال الصورة بكاملها، والحديث عن مشهد أقصى من هامشي لهو أمر يخل بالمنطق.
إن جزءاً كبيراً من أزمة الشعر العربي تكمن أصلاً في أزمة المشهد العربي: في التخلف، وفي غياب الحرية، في سطوة النقد المنافق والفاسد. إنك حين تفتح عينيك على كارثة محدقة وتنتظر دورك في الالتهام، حتى لتغبط الذين أتيحت لهم الفرصة ليموتوا ميتة مشرفة، لن تتوانى عن كتابة نصك، نصك الذي تمتلك أدواته الخام، وماكينات تصنيعه، نصك الذي يستعصي على العقوبات والحصار. المشكلة إذن في المشاهد الأخرى، التي لم نعد نملك من أمرها إلا القليل.
أقولها إذن: المشهد الشعري هو أبعد المشاهد عن التأزم، وهو الذي يزود عن قطرة النور، وهو الأكثر ثراء، ولو عددت الأسماء الموزعة بين مصر والشام والخليج والمغرب العربي لاطمأننت على قطرة النور.


ليست هناك تعليقات: