الأربعاء، 12 فبراير، 2014

حوار الشاعر مع مجلة الأهرام العربي

400‏السنة 123-العدد2004نوفمبر
20‏7 شوال 1425هـالسبت
الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

علي منصور لقبه البعض بشاعر قصيدة النثر الإسلامية‏:‏

موقف عبدالمعطي حجازي انفعالي ولا ننتظر اعتذاره

أجري الحديث ـ مصطفي عبادة
تصوير‏-‏ موسي محمود


هذا شاعر إشكالي‏.‏
شهدت مسيرته الشعرية تحولات حادة‏,‏ بدأ سياسيا مهموما وجاءت قصيدته حاملة لكل هذه الهموم‏,‏ ثم انتقل إلي قصيدة النثر بسبب شكه وعدم إيمانه بالمرجعيات التي تحكم القصيدة العربية عمودية وتفعيلية‏,‏ وذلك بسبب غزو صدام للكويت‏(‏ كان يعمل هناك‏),‏ حيث وجد نفسه في الصحراء وحيدا بلا ماض أو تاريخ كما كان يظن‏,‏ وهو في قصيدة النثر أحد المتميزين‏,‏ رسم طريقا تخصه بالاعتماد علي اللغة السهلة التي ربما تخرج أحيانا علي الشاعرية‏,‏ وعلي الإيقاع المهموس‏,‏ تدور عوالمه الشعرية حول البراءة الأولي كأنه يخترع تاريخا جديدا لنفسه‏,‏ وكانت خطوته الأهم علي مستوي التشكيل اللغوي حينما تماهت مفرداته مع لغة النص المقدس وتسرب روح القرآن في قصيدته حتي إن البعض لقبه بشاعر قصيدة النثر الإسلامية‏,‏ وقد بدا فرحا بهذه التسمية رغم خطورتها فنيا علي الشعر‏,‏ حول كل هذه القضايا ومشكلات قصيدة النثر كان لنا معه هذا الحوار‏..
‏**‏ تتماهي لغتك أحيانا مع المقدس‏,‏ هل تفعل ذلك قاصدا؟
لا‏.‏ إنما يأتي ذلك بشكل عفوي‏,‏ وفق الذائقة‏,‏ فأنا مفعم بالمقدس منذ الطفولة‏,‏ وحتي في كتاباتي الأولي حينما كنت واقعا تحت سطوة الأيديولوجيا‏,‏ الماركسية تحديدا‏,‏ وطغت في نصوصي مفردات من قبيل الحزب‏,‏ والفقراء‏,‏ والعمال‏,‏ والحارات‏,‏ واللجنة المركزية‏,‏ والإضراب‏,‏ والشعب‏,‏ والمخبر‏,‏ إلي آخر ذلك‏,‏ لم تخل هذه النصوص أيضا من تماس مع الدين‏,‏ وتحديدا مع لغة القرآن الكريم‏,‏ بل هناك قصائد اتكأت بشكل كامل علي أحداث تاريخية إسلامية مثل حادث الهجرة‏,‏ وحادث نزول الوحي‏,‏ وغيرهما‏.‏ إنني لا أسعي إلي اللغة في النص كغاية في حد ذاتها‏,‏ وإنما الفكرة المطروحة في النص‏,‏ والمعني المنشود منه هما اللذان يدفعانني إلي انتقاء مفردات بعينها وصولا إلي لغة أتصور أنها ستنجح في تحقيق ذلك المعني أو تجسيد تلك الفكرة‏,‏ أنا شديد الحرص علي المعني‏,‏ وفي ذات الوقت لا أحب له أن يتجسد إلا عبر لغة قريبة من القلب‏,‏ وكذا مفردا ت بيني وبينها حميمية خاصة‏.‏
‏**‏ هل إلي الحد الذي يجعلك تصد ر أحد دواوينك بحديث شريف؟
ولم لا؟إذا كنت أري أن هذا سيسهم في تحقيق فنية العمل‏,‏ إنني قد صدرت ديوانا سابقا بنص للحكيم الصيني لاوتسو دون أن يسبب ذلك أدني حساسية لدي البعض‏,‏ كما أن التصدير الذي تشير إليه تضمن أيضا إلي جانب الحديث الشريف نصا آخر للحكيم الفرعوني أمنموبي لماذا لم يلفت انتباهك سوي الحديث الشريف‏.‏ وهل إذا كان التصدير قد اقتصر علي قول أمنموبي لمر الأمر دونما دهشة‏!!‏ ولماذا لم تلتفت إلي دلالة التجاور بين الحديث الشريف ونص أمنموبي‏,‏ يا صديقي لا يجب أن يدفعنا الخجل مما آلت إليه أحوال المسلمين إلي أن نخجل من الدين ذاته‏,‏ أو أن يصيبنا الحرج من التماس معه في كتابتنا‏.‏
‏**‏ هل من أجل هذا لقبك البعض بشاعر قصيدة النثر الإسلامية؟
لا أعلم أن أحدا لقبني بهذا اللقب‏,‏ قرأت فقط أن الأستاذ الشاعر عبدالمنعم عواد يوسف كان قد ألقي بحثا عن ديوان عشر نجمات لمساء وحيد في المؤتمر السادس لرابطة الأدب الإسلامي‏,‏ في ندوة تقريب المفاهيم‏,‏ وكان عنوانه قصيدة النثر من منظور إسلامي علي منصور نموذجا‏,‏ وقرأت أيضا أن هذا البحث أثار زوبعة أدبية وقوبل باعتراض شبه جهري من أكثر الحاضرين‏,‏ لكن الأستاذ الدكتور حسن الإمراني رئيس تحرير مجلة المشكاة المغربية‏,‏ والذي كان شاهدا علي وقائع هذه الندوة كتب افتتاحية العدد رقم‏40‏ عن هذا الديوان متخذا له عنوان نمط جديد في الكتابة‏,‏ راصدا الملابسات والاعتراضات ومتوقفا أمام بعض النصوص مثنيا عليها ومتحمسا لها حتي إنه اعتبرها منارات في الطريق الذي بشر به الأستاذ محمد قطب‏.‏
‏**‏ هل أنت سعيد بهذا اللقب؟
هذا شرف لا أدعيه‏,‏ واتهام لا أنكره‏.‏
‏**‏ لماذا؟
لأنه لا يوجد شئ اسمه شاعر قصيدة النثر الإسلامية وإن وجد فلن يستحقه إلا من يستطيع أن ينهض بالمسلمين أو أن يسهم في نهضتهم من خلال قصيدته النثرية‏.‏
أما أنه اتهام لا أنكره‏,‏ فذلك حتي لا يظن أحد أنني أخجل من التماس مع هذا الدين الحق في كتابتي‏.‏
‏**‏ هل في الفن إسلامي وغير إسلامي‏,‏ الفن متغير والمقدس ثابت‏,‏ كيف توفق بين الأمرين؟
لا‏,‏ ليس في الفن إسلامي وغير إسلامي‏,‏ ولكن في الفن تأثيرات إسلامية وأخري غير إسلامية‏.‏ فمثلا حينما نقول العمارة الإسلامية فهذا يعني أن العمران في أوج العصر الإسلامي اتخذ لنفسه ملامح وخصائص ميزته عن غيره‏,‏ وكان ذلك بفعل وإيحاء من الثقافة الإسلامية‏,‏ وكذلك حينما نقول الفن القبطي‏.‏ هناك بالتأكيد مؤثرات في الفنون‏,‏ والدين الإسلامي من بينها‏.‏
أحمد عبد المعطى حجازى
**‏ من أول من أطلق عليك هذه التسمية؟
أنت‏,‏ هنا في هذا الحوار‏,‏ ويبدو أنك مغرض‏,‏ إذ تود أن تختزل تجربة قوامها سبع مجموعات شعرية في ملمح واحد فقط طغي في مجموعة واحدة هي عشر نجمات لمساء وحيد‏.‏ اسمع إذن‏,‏ أنا أكثر شاعر مصري تناسل فيمن جاء بعده من شعراء‏,‏ وعشرات النصوص التي تكتب الآن يمكنك ردها بسهولة إلي مجموعة ثمة موسيقي تنزل السلالم‏.‏
‏**‏ انتقلت إلي كتابة قصيدة النثر فجأة‏,‏ وكنت مصرا علي قصيدة التفعيلة‏,‏ متي حدث ذلك بالضبط‏,‏ ولماذا؟
في صباح الخميس الثاني من أغسطس عام‏1990,‏ تعرضت مسلمات كثيرة لامتحان قاس لم تحتمله في قليل أو كثير‏,‏ تخلخلت قناعات كثيرة‏,‏ واستيقظت شكوك أكثر‏,‏ وانسحب ذلك علي عديد من التصورات السابقة‏.‏ أدركت أن ثمة انفصاما بين القول وبين الفعل‏.‏
وشعرت بهوة صارخة تفصل بين ما هو طاغ في الذهن وما هو منحسر في الواقع‏.‏ لم أدر إلا وأنا أكتب قصائد نثرية لا تعول علي شئ‏,‏ وأنا أيضا كنت غير معول علي شئ‏,‏ لا علي ما أكتب ولا علي رد الفعل لما أكتب‏.‏ فقط كنت في حاجة إلي العثور علي ما يجعلني أتماسك من جديد‏,‏ كنت في حاجة إلي قناعات جديدة‏.‏ وكما تري لم يكن ثمة تعمد في التخلص من تأثيرات السابقين‏,‏ ولا كانت ثمة قصدية في الانتقال إلي كتابة قصيدة النثر‏,‏ محض انتقال للذائقة من طور إلي طور آخر ومحض ظرف تاريخي أدي إلي زحزحة قناعات لصالح قناعات أخري‏.‏
‏**‏ في أغلب قصائدك في الدواوين الأربعة الأخيرة‏,‏ هناك فتاة مراهقة في حالة حب‏,‏ وفتي ينتظرها‏,‏ يبدو لي أن رؤيتك للعالم تبدأ من هنا‏.‏
تأسرني دائما تلك الـ حالة حب في الكتابة‏,‏ ربما لأن العالم تسوده حالة كراهية وعداء‏,‏ وأن قوي الشر تحرك البشرية بعيدا عن حاجات الروح‏,‏ إن تفشي القسوة والظلم قد شوه روح البشر بدرجة مرعبة‏,‏ وفي مواجهة هذا‏,‏ ليس أمام الضعيف سوي أن يستن شريعته بالغناء لمبادئ الفطرة‏,‏ والعزف علي أشواق لا تجف‏.‏
‏**‏ جنحت القصيدة الجديدة إلي اللغة السهلة‏,‏ لغتك بالأخص مضت إلي آخر الخط في هذا الطريق‏,‏ وأحيانا تخرج علي الشعرية‏,‏ كيف تري هذه القضية؟
أنا لا أريد للغة أن تتجاوز مهمتها في القصيدة‏,‏ لا أريد لها أن تتحول من كونها أداة للشعر‏,‏ فتصبح هي الشعر ذاته‏.‏ من هنا فأنا أميل دائما للغة القريبة متصورا أن شعرية قصيدة النثر تعتمد في أحد جوانبها علي هذه الخاصية‏,‏ ومدركا في ذات الوقت أنها مخاطرة كبيرة قد تهدر شعرية النص بالكامل ما لم يتم استغلال هذه البساطة والسهولة اللغوية في تحقيق مزج بين العمق والوضوح‏,‏ بين المفارقة والعفوية‏,‏ بين الإدهاش وعدم الافتعال‏.‏ إن شعرية قصيدة النثر هي بالدرجة الأولي شعرية حالة‏,‏ ولهذا فإن الموهبة تلعب أهم الأدوار‏,‏ فإذا غابت أو خفتت سقط النص سقوطا مدويا‏.‏
‏**‏ يشكو شعراء القصيدة الجديدة من ظلم المؤسسات في الوقت الذي صدر لك ولغيرك دواوين عبر مكتبة الأسرة‏,‏ كما أن حجازي اعتذر عن موقفه منكم‏,‏ هل تستمرون في حالة الشكوي؟
حكاية الشكوي من ظلم المؤسسات هذه حكاية عجيبة ومضحكة‏,‏ فمثلا بعض الكتاب الكبار لا يفتأون يهاجمون المؤسسة ويعلنون أنهم ضد المؤسسة ولو تأملت في الأمر جيدا لوجدت أن الواحد منهم مؤسسة بكاملها‏,‏ بل ويمارس علي الآخرين ممارسات ربما أقسي مما يشكو منها‏.‏ أما شكاوي شعراء القصيدة الجديدة‏,‏ فكل يغني علي ليلاه‏,‏ وليلي هذه قد تكون منحة تفرغ‏,‏ أو ترشيح لجائزة‏,‏ أو مضاعفة مكافأة نشر‏,‏ أو المشاركة في أحد المؤتمرات بالخارج إلي آخره‏.‏ الغريب أن أكثر الأصوات شكوي من المؤسسة قد تكون أكثر المستفيدين منها‏.‏ قليلون هم الذين لم يتورطوا في هذه اللعبة المكشوفة فلم يجأروا بشكوي‏,‏ ولم يعولوا علي شئ من قبلها‏,‏ لأنهم ببساطة لا ليلي لهم لدي المؤسسة‏.‏ أما بخصوص مجموعتي التي صدرت عن مكتبة الأسرة فيكفي أن تعلم أنها مجموعتي الشعرية الأولي تمت إجازتها للنشر في الهيئة عام‏1986‏ في سلسلة إشراقات أدبية‏,‏ لكنها لم تنشر‏,‏ وأصدرتها علي نفقتي عام‏1990,‏ ولما عرض علي التقدم بكتاب للنشر في مكتبة الأسرة تقدمت بذات المجموعة لكي تنشر بعد مرور ثمانية عشر عاما علي تاريخ إجازتها للنشر أول مرة‏.‏ أما عن اعتذار الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي عن موقفه من شعراء قصيدة النثر‏,‏ فأنا شخصيا لم أكن أنتظر منه أي اعتذار‏,‏ لأنني كنت موقنا تماما أن المسألة كلها مجرد موقف انفعالي ليس أكثر‏,‏ وأنه ابتعد عنها فترة طويلة ربما لانشغاله باهتمامات أخري‏.‏ فات أوان الشكوي يا صديقي‏,‏ هذا أوان الحزن والحداد‏,‏ حتي علي الأحلام الصغيرة‏.‏
‏**‏ بعض النقاد والشعراء أيضا يعتبرون قصيدة النثر جنسا أدبيا مستقلا‏,‏ فهل توافق علي ذلك؟
بالطبع لا‏.‏ فأنا أري أن قصيدة النثر هي التطور الطبيعي لقصيدة التفعيلة‏,‏ وأري أنها مرشحة للبقاء طويلا مثلما حدث مع القصيدة العمودية‏.‏ وأري أن قصيدة التفعيلة لم تكن سوي مرحلة انتقالية بين شكلين معمرين هما قصيدة العمود وقصيدة النثر‏.‏
‏**‏ مر وقت طويل‏,‏ ولم يكتمل الإطار النظري لقصيدة النثر‏,‏ لماذا؟
ربما لم يمر وقت طويل‏,‏ إذا أخذنا في الحسبان التوقع بأنها ستكون أحد الأشكال المعمرة في الشعر‏,‏ وربما يكون ذلك من سمات مرحلة تاريخية مختلفة‏,‏ فلا شئ يكتمل له إطار نظري‏.‏
قل لي مثلا ما الإطار النظري لـ النظام العالمي الجديد الذي طفا علي السطح منذ انهيار الاتحاد السوفيتي‏!!‏ وما هو الإطار النظري للإرهاب‏,‏ الذي تحت شعار مكافحته تتغير خرائط البلدان والشعوب‏.‏
‏**‏ أين نقاد هذه القصيدة الجديدة‏,‏ ولماذا لم تفرز نقادها؟
لا توجد حركة نقدية جادة مواكبة لقصيدة النثر وقد يرجع ذلك إلي عدة أسباب منها التفاوت الكبير في النصوص التي تنتمي إلي هذا الشكل‏,‏ الأمر الذي قد يدفع الناقد الجاد إلي التراجع عن دراسة النماذج العالية حينما يواجه بطوفان من النماذج المتواضعة والركيكة‏.‏
أيضا قد يتراجع الناقد الجاد عن تناول هذه القصيدة بالنقد والدراسة حينما يري أن الساحة النقدية تعج بأشباه النقاد ولا تقل عن الساحة الشعرية اضطرابا وبلبلة فيؤثر الصمت علي أن يتورط في الولوج لساحة الشبهات‏.‏ وربما يجفل الناقد أخيرا عن بحث وتحليل هذا الشكل الشعري الجديد علي أثر المعارك التي تنشب علي صفحات الجرائد بين الحين والحين حول قصيدة النثر ومدي مشروعيتها‏.‏
‏**‏ هل نستطيع القول إنك بدأت واقعيا وانتهيت مثاليا إسلاميا؟
لا‏.‏ الحقيقة أنني كنت مثاليا علي طول الخط ومنذ البداية‏,‏ فقط تعرضت لامتحان أن أكون واقعيا‏,‏ ولم أجتزه‏,‏ الواقعي هو السياسي‏,‏ والمثالي هو الشاعر‏,‏ ويبدو أن المثالي قد تغلب‏,‏ لأنه كان هو الجوهر وتنحي الواقعي لأنه كان هو الطارئ‏*‏


ليست هناك تعليقات: