الأربعاء، 12 فبراير، 2014

(الشيخ ) في جريدة أخبار الأدب المصرية

نصوص مهداه إلي نبتة:
إشارات 'الشيخ' وتجلياته! د. سعيد الوكيل
للشعراء سجلْطَة قاهرة تتجلي حين يعيدون التقاليد القديمة للهجاء، ومن ثم تتيح لهم فرصة النَّيل من النقاد الذين أخترعوا سلطة أخري ­ بحق أو بغير حق­ أتاحت لهم تشريح النصوص وأصحابها (بالتبعية) أحيانا، والحكم من ثَمٌ بالجرح والتعديل علي النص وصاحبه جميعا. لا تموت تقاليد الشعر القديمة إذن، كما لا تموت المفاهيم النقدية، بل تبقي التقاليد والمفاهيم خفية حينا وسافرة حينا.
يعيد علي منصور تقاليد الهجاء في إحدي قصائد الديوان، ومن ثم يؤسس بعض مفاهيمه للشعر، لكن هذا لا يعني علي الدوام إخلاص النص للشاعر وانسحاقه تحت وطأة القلم ليكتب ما شاء: فالنص يؤسس شعرية خاصة ومفاهيم تتصارع داخل جنبات الديوان.
الشاعر (عموما) مسكين لأنه يقول ما يظن أنه يريد أن يقوله، والناقد مسكين لأنه يري في النص غير ما أراد الشاعر، ومن ثم يهجوه الشاعر. علينا أن نعترف إذن بسلطة النص قبل سلطة الناقد المسكين، والشاعر.
ويبدو لي أن شعر علي منصور _علي مدي تاريخه­ يتأرجح بين هذين القطبين: الواقع والواقع الشعري. ألا تري إلي اسم ديوانه الأول ¢الفقراء ينهزمون في تجربة العشق¢ (الذي نشر عام 1990 علي الرغم من أن الشاعر ينتمي بحق إلي جيل السبعينيات)، وهو عنوان يختلف أيما اختلاف عن العناوين الأكثر شعرية لدواوينه الستة التالية التي تسبق ¢الشيخ¢.
العنوان والإهداء: عتبات التأويل
أما مفتاح هذا الديوان فيبدو أنه يكمن في العنوان والإهداء: فالعنوان هو ¢الشيخ¢، أما الإهداء فإنه ¢إلي نبتة برية قرب مثواي الأخير¢. فهل ¢الأنا¢ هي الشيخ نفسه الذي يهدي الشعر إلي من يشاركه العزاء حقا: النبتة التي تملأ عالمه الجديد حيث لا عزاء، بأنفاسها وما فيها من حياة تصله بعالمه الذي لم يكن يتمني أن يغادره: عالم الحياة الحقيقية: الشعر؟
إن القراءة المتأملة للديوان تكشف عن الحضور النباتي في كل القصائد (عدا القليل من قصائد الهجاء التي أراها الصوت الداخلي المضاد للشعر في داخل الديوان ومنها: ¢فانتازيا¢، و¢كلمة ضالة¢)، تعبيرا عن البديل الشعري للواقع الإنساني المتخلي. فهل فقدت الأنا ثقتها في الناس والعالم، ولم يبق سوي عالم النبتة رفيق طريق؟
الشعري يلوذ إذن بالطبيعي المتمثل في النبتة، بعيدا عن عالم الإنسان الذي يمكن تفكيك عناصره إلي: اللغة _ الحماقة _ الدخان _ الزحام _ التجهم _ الخَوَر _ اللهاث _ القتل _ الشذوذ _ الصخب _ الأرق من الموت. وفي المقابل يمكن تفكيك عناصر عالم النبات إلي: الصمت _ الحكمة _ منح الطمأنينة­ التسبيح _ العطاء _ الإيمان _ الحياء _ الرضي بالذبول).
الصورة _ الأمثولة ­ المعادل الموضوعي
ولو أننا فككنا عناصر الصورة التي رجسمت للشيخ ­ عبر مراحل عمره ­ منذ الصبا وحتي الاستعداد للموت: لوجدنا ­تقريبا­ العناصر نفسها التي تشكٌل عالم النبتة (بتجلياته المختلفة: الزهرة­ الشجرة... إلخ). فالديوان يبني نموذجا إنسانيا (ولا يشغلنا إذا كان يشير إلي الشاعر أو أبيه أو سواهما) هو الشيخ: صوت الحكمة والإيمان والورع والروح والآي. ومن ثم تبدو النبتة معادله الموضوعي.
التميز في بناء المعادل الموضوعي داخل الديوان يتمثل في أن خلق المعادل يتأتي من مأتي بعيد، وذلك علي مدي الديوان في مجمله، كما أن بناء المعادل الموضوعي لا يتجاهل الطبيعة الخاصة أو المجال الحيوي للمشبه به، فكأنه يخلق أمثولة شعرية نستطيع أن نربطها بمعادل أو لا نربطها. وربما يكشف تأمل بعض الصور التي تكاد تكون متوازية للشيخ والنبتة عن بعض ملامح تلك الأمثولة:
ملامح الشيخ
الغلام ذو البشاشة _ ذو الصوت المبلل بالنعمة والرضوان­ الغلام الجميل كأجتْرججَّة­ المنوَّر بيقينه
­ غرس الفسيلة وهو يدعو:
رب اجعل هذا عملا صالحا
ألقي التحية علي الجيران، وابتسامته تشهد ...
­ قلبه أخضر، هذا الشيخ،
ووجهه صبوح
كأنما السكينة انتحلت هيئته.
­ أنت أيضا جنايني...!
كل صباح، ترش قلبكَ
بالقرآن الكريم (ص 62)
إنها صور متفرقة ترسم ملامح شخصيات متنوعة، لكنها تبني معا صورة فسيفسائية شديدة الوضوح للشيخ وتربطه علي نحو ما بعالم النبات.
ملامح النبتة
­ تهرب الحكمة من لغونا وتلوذ بصمت النباتات.
­ ما من شجرة واحدة قد قطبت الجبين .
­ ثلاث زهرات جاردينيا
همسن لربة المنزل...
سنكمل ترتيل سورة مريم.
إن القارئ الأريب يستطيع أن يعقد المشابهات ليتبين صدق القول بإقامة علاقة ­ تخفَي حينا وتتبدي بجلاء حينا ­ بين صورة الشيخ والنبتة، لبناء صورة شعرية شديدة الصفاء والبساطة والعمق.
الالتزام والصوت المضاد للشعر
ما سبق أن أشرتج إليه عابرا، من صوت مضاد للشعر يتمثل في قصائد تجبني منطقيا وتشير إلي الواقع علي نحو يكاد يكون مباشرا. إنها القصائد التي تحاول تحمل مفهوم ¢الالتزام¢، وهي:
1­ ¢أثر عربي¢: وهي قصيدة جميلة كان يمكن أن تنأي عن المباشرة لو احتفظ الشاعر بالعنوان، ولم يخاطب قائلا: أيها العربي (في السطر الثاني) ولم يجنْه النص بالخطاب: ¢يا أيها العربي¢.
2­ الشاعر المسكين.
3­ ¢همهمة تماثيل مصرية¢: وهي قصيدة لا يعيبها سوي عنوانها شديد المباشرة، والذي يخنق دلالة النص. وعلي الرغم مما يفعله العنوان: فإن النص تأبٌي علي ذلك التصنيف، واقترح­ نظرا لشعريته الفائقة­ أن يضرب القارئ صفحا عن العنوان ويقرأ النص خالصا من ذلك التقيد الذي ألزم الشاعر إيانا به وهو مما لا يلزم.
4­ ¢كأنها سياج¢: إنها قصيدة ترصد شعور رجل عاجز عن أن يفعل مثل ما يفعله ناخبون في التلفاز إذ يدلون بأصواتهم في الصناديق:
¢وهو يتفرج عليهم
ودٌ لو جرب شعورا مثل هذا،
قبل أن يموت
كأنها مزهريات، هذه الصناديق!!
كأنها حدائق ....
كأنها سياج
يحرس الوطن في الليل¢.
وتستمر القصيدة في وصف الصناديق التي تعبر عن حماية رأي الجماعة في مقابل القهر الذي لا تعرف مظاهره سوي في عجز ذلك الرجل أمام التلفاز. تحتال القصيدة إذن لكي لا تعبر علي نحو مباشر، وتنجح حقا.
إن الديوان مبني علي تحاور صوتين: أولهما الصوت المعبر عن مسيرة الشيخ متماهية مع البنية التي تمثل المعادل الموضوعي له، والصوت الآخر هو الصوت المباشر المعبر عن الواقع القاهر. ويتوج تلك الثنائية قصيدة تختم الديوان (قصيدة: حَب ونوي)، وتتميز عن سائر القصائد بطبيعتها الشكلية: فهي تنقسم داخليا إلي مجموعة مقطوعات قصيرة يحمل كل منها عنوانا خاصا، وهي شديدة الاختزال جاءت في صيغ أشبه بالصيغ الحِكمية، تلخص رؤية أخلاقية وتصورا للعالم يليقان بشيخ يؤرَّخ له شعريا. الشعري والسردي:
تبقي الإشارة إلي ما يميز الديوان من تنويع في طرائق الإبداع الشعري، ومن ذلك اللجوء إلي دمج الغنائي بالسردي، ولعل أوضح القصائد التي تكشف عن هذا الملمح قصيدة ¢حالة حرجة¢. تنقسم القصيدة إلي حركتين قصيرتين لا تستغرق الأولي أكثر من عدة كلمات موزعة علي سطرين، لكنها تقدم مشهدا بالغ الشعرية، يصور الأنا (الراوي) وهي ترصد فتاة (مريضة في حالة حرجة كما نفهم من العنوان):
¢لمحتج حلما،
فوق شفتين نائمتينْ¢
أما المشهد الآخَر فينتقل إلي ¢وصف¢ من يدفعون بجسد تلك الفتاة علي ¢التروللي¢. ثم يعود صوت الأنا مرة أخري ليفكك الحلم الذي أشيرَ إليه في الحركة الأولي إلي: عروس _ ثوب أبيض _ زغرودة الأم، ولا يغفل أن يفيد من الإمكانات السردية فيصف تلك الزغرودة بالممر الذي لمحناه في بداية المشهد:
¢كانوا يدفعون التروللي
ويهرعون
في الممر الطويل.
مرت الجلبة،
وظل معي ما لمحته
في
ابتسامة
الشفتين:
العروس، في ثوبها الأبيض.
وزغرودة أمها
أطول _ بكثير _
من الممر¢ (ص 45)
إنه _ في هذه القصيدة وغيرها ­ يستحضر شخصيات وحوارات ووصفا، ويصٌاعد بالأحداث ويكثفها، ويصنع صنيع القاص في مواطن كثيرة (كما في القصائد: في تقديم التلاوة _ قالت صخرة وقالت شجرة وقالت زهرة ياسمين _ المنوٌر بيقينه _ الشيخ _ حكاية عن الشجرة)، لكنه ينجح في تضفير تلك الطرائق ليخلق نصا شعريا بامتياز.


ليست هناك تعليقات: